
هيلدا حبش
أيتها الأخوات أيها الأخوة ، الرفاق الأعزاء ، ضيوفنا الكرام
إلى رفيق العمر و رفيق الدرب النضالي الطويل إليك يا حكيم يا أغلى الناس
حين يرحل الرجال تبقى كلماتهم و خطاهم نوراً يقاوم الظلام ، ينير وحشة الطريق ‘ حين يرحل الرجال تذرف الأرض دمعاً فتنبت قمحاً و مواسم حصاد. أيها الراحل المقيم في ذاكرة الأوطان غداً حين تتحدث فلسطين عن فرسانها ستروي حكاية حكيمٍ ، حكاية رجل عشق ترابها و أرضها فزهد الدنيا و قدم حياته قرباناً من أجلها فطوبى لك يا من مشيت درب الألام و رفعت الراية عالياً . لم تتعب يوماً و لم تكل في زمن تقزمت فيه المبادىء و القامات فبقيت أنت مرفوع الرأس شامخاً.
شكلت نكبة عام 48 نقطة التحول في حياته فحولته من طالب طب متفوق في الجامعة الإمريكية في بيروت إلى ثائر يحمل هموم شعبه و جراح وطنه فإستطاع أن يضع قضية فلسطين في قلب الأحداث و أن يطرحها على الرأي العام العالمي . ترك دراسته
عندما بدأت تتساقط المدن و القرى الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى على يد العصابات الصهيونية فإندفع نحو اللد ليعمل في أحد مستوصفاتها ليدافع عما تبقى من فلسطين
و لينقذ ما يمكن إنقاذه و لكنه أجبر على الخروج تحت تهديد السلاح مع شعبه في رحلة الجوع والعطش القهر و اللجوء. عاد إلى الجامعة الأمريكية لكنه لم يعد كما كان، تركها طالباً فعاد إليها ثائراً ليبدأ حلم الوحدة و رحلة التحرر و الثأر. تخرج طبيباً عالج الفقراء و الكادحين مع رفيق دربه الدكتور وديع حداد في عيادتهما المشتركة في عمان فكان ذلك نواة لإنطلاق عملهما النضالي في تعبئة الجماهيرفي المخيمات وبدأ الإعداد لمرحلة الكفاح المسلح فتحولت العيادة إلى ملتقى للشباب القومي العربي من كافة الأقطار العربية. فكانت تلك المرحلة بداية النهوض القومي في وجه المشروع الصهيوني.
كيف تستطيع الكلمات اليوم أن تختصر رحلتك الشاقة التي إستمرت ستة عقود من الزمن و أية مفردات في اللغة تستطيع أن تسجل سبعة و اربعين عاماً من رحلتنا المشتركة معاً قضيناها في ظروف قاهرة تتجاوز القدرة على الإحتمال .
محطات محفورة في الذاكرة و في نبض القلوب أستذكراليوم أولها ذلك الظرف الإستثنائي الذي تلا زواجنا بشهرين فقط و هو إنفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة و محاولة إغتيال حلم الوحدة العربية . شكل هذا الحدث الكبير صدمة عنيفة أصابت طموحاتنا الوطنية و القومية بالصميم و هنا بدأت رحلتي مع مواجهة الظروف الأمنية الصعبة حيث بدأت تتوالى الأحداث من ملاحقة و إعتقالات لكل ما يمت بعبد الناصر أو الناصرية بصلة. كنت أبحث عنه في المخافر و السجون أذكر كيف حملت إبنتنا ميساء في اليوم الخامس عشر بعد ولادتها إلى السجن في حرارة اَب الملتهبة ليراها والدها للمرة الأولى. كانت تلك هي البداية لرحلة طويلة من الملاحقة و الإختفاء
و التخفي و إستعمال الأسماء المستعارة و تغيير الأماكن و البيوت و الإبتعاد عن أالأضواء و صخب الحياة و مواجهة الكثير الكثير من محاولات الإغتيال ،
رحلة مسكونة بالقلق و بالتحدي. كنا نفهم المسؤولية على أنها تضحية و تفان و عطاء
و ليست مكتسبات و إمتيازات.
نصف قرن من الزمن و أنا إلى جانبه ألاحقه أبحث عنه لأجده في المواقع الأمامية إلى جانب المقاتلين يعيش بينهم و معهم ليقوي من عزيمتهم و يشد من أزرهم، يتخذ القرارات فيبدأ بنفسه أولاً ، كان ديمقراطياً بكل ما في الكلمة من معنى يتمتع برحابة صدر يتقبل النقد و يجيد فن الإصغاء كانت تدهشني قدرته على التسامح و الترفع عن الصغائر تدهشني قدرته على المحبة و إحتواء الأخرين . بعيداً عن ا لتعصب الحزبي والديني والعرقي.
نزف القلب الكبير ألماً على الإقتتال بين الأخوة و حزناً على إنحراف الطريق و هو الذي قضى عمره مدافعاً عن الوحدة الوطنية. عاد لينزف من جديد يوم نزفت غزة تحت الحصار فلم يعد قلبه يحتمل المزيد من المجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل بحق شعبنا في الأرض المحتلة أمام مرأى و مسمع العالم الذي لا يحرك ساكناً.
لقد بقي الحكيم و حتى أخر لحظة من حياته يفكر في قضايا شعبه و أمته و قضايا الجبهة الشعبية ، بقي على رأس العمل يشرف على شؤون الجبهة و يدير مركز الدراسات و يتابع الإصدارات بشغف و يتصل بالأصدقاء و المفكرين , و يقيم الندوات الفكرية. كان السؤال "لماذا فشلنا ؟ " رغم كل الإمكانيات البشرية و المادية و التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا على مدار ستين عاماً دون كلل أو ملل... كان هذا هو السؤال الذي يؤرقه مما دفعه إلى تأسيس مركز دراسات الغد العربي الذي يعنى بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي . لم يقعده المرض كما تردد في وسائل الإعلام و لم ينل من عزيمته يوماً واحداً. لقد إستحق الحكيم لقب ضمير الثورة عن جدارة و بإمتياز لأنه كان الحارس الأمين على مكتسباتها و لم يفرط يوماً بالثوابت الوطنية و بحقوق الشعب الفلسطيني
في حق العودة وحق تقرير المصير و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة و إزالة المستوطنات.
سيذكرك شعبك في الليلة الظلماء لأن الشعوب في ليلها الحالك تبحث عن حكمائها
أيها الحكيم يكفيك أنك أرهبت عدوك حياُ و أرهبته ميتاً فمنع إقامة ذكرى تأبينك في الناصرة كما منع إقامة مجالس العزاء في القدس ، فهم ما زالوا يخافون الثائر الذي لن يرحل يخافون روحه الباقية فينا.
أما فلسطين فهي أرض الأنبياء و هي عبق التاريخ و قاهرة الغزاة هي القادرة على أن تنجب الرجال وأن تصنع الشهادة و الولادة فأرقد قرير العين يا حكيم لأن شعبك ما زال يقاوم و على الدرب باقٍ حتى يعود اللاجئون المعذبون الذين قاتلت لإجلهم زمناً طويلاً و حتى نعيدك لتدفن في تراب فلسطين التي أنجبتك لتكون فارساً من
من فرسانها و حكيماً في زمن قل فيه الحكماء ....
أشكر شعبنا الذي خرج إلى الشوارع و أقام مجالس العزاء في كل قرية و مدينة و مخيم في فلسطين و الشتات و شارك في إقامة القداديس و المسيرات مما خفف من مصابنا الأليم ، أشكر جميع الذين كتبوا كلمة حق إنصافاً للحكيم من برقيات تعزية و مئات المقالات التي نشرت و ألالاف المحبين من هذا الشعب الوفي الذين شاركونا العزاء
و من المسؤولين و جميع الأحزاب الوطنية و حركات التحرر العربية و العالمية، كل ذلك نعتبره تكريماً لمسيرة نضالية طويلة إستمرت ستين عاماً.
أكرر شكري لحضوركم و لمشا ركتكم ‘ و لكل من أحب الحكيم أقول له اليوم لنبقى أوفياء لكل القيًم و المبادىء التي كرس حياته من أجلها فهو باق معنا و بيننا و ستبقى ذكراه حيًة في ضمير الأمة ووجدانها لأن الثوار لا يموتون....
تحية إجلال و إكبار لشعبنا الصامد في فلسطين و إلى الأسرى و المعتقلين القابعين في سجون الإحتلال ، لهم منا كل الوفاء.
المجد و الخلود لك يا أبا ميساء و لكل الشهداء الأبرار....
وإنا على العهد باقون....
إلى رفيق العمر و رفيق الدرب النضالي الطويل إليك يا حكيم يا أغلى الناس
حين يرحل الرجال تبقى كلماتهم و خطاهم نوراً يقاوم الظلام ، ينير وحشة الطريق ‘ حين يرحل الرجال تذرف الأرض دمعاً فتنبت قمحاً و مواسم حصاد. أيها الراحل المقيم في ذاكرة الأوطان غداً حين تتحدث فلسطين عن فرسانها ستروي حكاية حكيمٍ ، حكاية رجل عشق ترابها و أرضها فزهد الدنيا و قدم حياته قرباناً من أجلها فطوبى لك يا من مشيت درب الألام و رفعت الراية عالياً . لم تتعب يوماً و لم تكل في زمن تقزمت فيه المبادىء و القامات فبقيت أنت مرفوع الرأس شامخاً.
شكلت نكبة عام 48 نقطة التحول في حياته فحولته من طالب طب متفوق في الجامعة الإمريكية في بيروت إلى ثائر يحمل هموم شعبه و جراح وطنه فإستطاع أن يضع قضية فلسطين في قلب الأحداث و أن يطرحها على الرأي العام العالمي . ترك دراسته
عندما بدأت تتساقط المدن و القرى الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى على يد العصابات الصهيونية فإندفع نحو اللد ليعمل في أحد مستوصفاتها ليدافع عما تبقى من فلسطين
و لينقذ ما يمكن إنقاذه و لكنه أجبر على الخروج تحت تهديد السلاح مع شعبه في رحلة الجوع والعطش القهر و اللجوء. عاد إلى الجامعة الأمريكية لكنه لم يعد كما كان، تركها طالباً فعاد إليها ثائراً ليبدأ حلم الوحدة و رحلة التحرر و الثأر. تخرج طبيباً عالج الفقراء و الكادحين مع رفيق دربه الدكتور وديع حداد في عيادتهما المشتركة في عمان فكان ذلك نواة لإنطلاق عملهما النضالي في تعبئة الجماهيرفي المخيمات وبدأ الإعداد لمرحلة الكفاح المسلح فتحولت العيادة إلى ملتقى للشباب القومي العربي من كافة الأقطار العربية. فكانت تلك المرحلة بداية النهوض القومي في وجه المشروع الصهيوني.
كيف تستطيع الكلمات اليوم أن تختصر رحلتك الشاقة التي إستمرت ستة عقود من الزمن و أية مفردات في اللغة تستطيع أن تسجل سبعة و اربعين عاماً من رحلتنا المشتركة معاً قضيناها في ظروف قاهرة تتجاوز القدرة على الإحتمال .
محطات محفورة في الذاكرة و في نبض القلوب أستذكراليوم أولها ذلك الظرف الإستثنائي الذي تلا زواجنا بشهرين فقط و هو إنفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة و محاولة إغتيال حلم الوحدة العربية . شكل هذا الحدث الكبير صدمة عنيفة أصابت طموحاتنا الوطنية و القومية بالصميم و هنا بدأت رحلتي مع مواجهة الظروف الأمنية الصعبة حيث بدأت تتوالى الأحداث من ملاحقة و إعتقالات لكل ما يمت بعبد الناصر أو الناصرية بصلة. كنت أبحث عنه في المخافر و السجون أذكر كيف حملت إبنتنا ميساء في اليوم الخامس عشر بعد ولادتها إلى السجن في حرارة اَب الملتهبة ليراها والدها للمرة الأولى. كانت تلك هي البداية لرحلة طويلة من الملاحقة و الإختفاء
و التخفي و إستعمال الأسماء المستعارة و تغيير الأماكن و البيوت و الإبتعاد عن أالأضواء و صخب الحياة و مواجهة الكثير الكثير من محاولات الإغتيال ،
رحلة مسكونة بالقلق و بالتحدي. كنا نفهم المسؤولية على أنها تضحية و تفان و عطاء
و ليست مكتسبات و إمتيازات.
نصف قرن من الزمن و أنا إلى جانبه ألاحقه أبحث عنه لأجده في المواقع الأمامية إلى جانب المقاتلين يعيش بينهم و معهم ليقوي من عزيمتهم و يشد من أزرهم، يتخذ القرارات فيبدأ بنفسه أولاً ، كان ديمقراطياً بكل ما في الكلمة من معنى يتمتع برحابة صدر يتقبل النقد و يجيد فن الإصغاء كانت تدهشني قدرته على التسامح و الترفع عن الصغائر تدهشني قدرته على المحبة و إحتواء الأخرين . بعيداً عن ا لتعصب الحزبي والديني والعرقي.
نزف القلب الكبير ألماً على الإقتتال بين الأخوة و حزناً على إنحراف الطريق و هو الذي قضى عمره مدافعاً عن الوحدة الوطنية. عاد لينزف من جديد يوم نزفت غزة تحت الحصار فلم يعد قلبه يحتمل المزيد من المجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل بحق شعبنا في الأرض المحتلة أمام مرأى و مسمع العالم الذي لا يحرك ساكناً.
لقد بقي الحكيم و حتى أخر لحظة من حياته يفكر في قضايا شعبه و أمته و قضايا الجبهة الشعبية ، بقي على رأس العمل يشرف على شؤون الجبهة و يدير مركز الدراسات و يتابع الإصدارات بشغف و يتصل بالأصدقاء و المفكرين , و يقيم الندوات الفكرية. كان السؤال "لماذا فشلنا ؟ " رغم كل الإمكانيات البشرية و المادية و التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا على مدار ستين عاماً دون كلل أو ملل... كان هذا هو السؤال الذي يؤرقه مما دفعه إلى تأسيس مركز دراسات الغد العربي الذي يعنى بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي . لم يقعده المرض كما تردد في وسائل الإعلام و لم ينل من عزيمته يوماً واحداً. لقد إستحق الحكيم لقب ضمير الثورة عن جدارة و بإمتياز لأنه كان الحارس الأمين على مكتسباتها و لم يفرط يوماً بالثوابت الوطنية و بحقوق الشعب الفلسطيني
في حق العودة وحق تقرير المصير و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة و إزالة المستوطنات.
سيذكرك شعبك في الليلة الظلماء لأن الشعوب في ليلها الحالك تبحث عن حكمائها
أيها الحكيم يكفيك أنك أرهبت عدوك حياُ و أرهبته ميتاً فمنع إقامة ذكرى تأبينك في الناصرة كما منع إقامة مجالس العزاء في القدس ، فهم ما زالوا يخافون الثائر الذي لن يرحل يخافون روحه الباقية فينا.
أما فلسطين فهي أرض الأنبياء و هي عبق التاريخ و قاهرة الغزاة هي القادرة على أن تنجب الرجال وأن تصنع الشهادة و الولادة فأرقد قرير العين يا حكيم لأن شعبك ما زال يقاوم و على الدرب باقٍ حتى يعود اللاجئون المعذبون الذين قاتلت لإجلهم زمناً طويلاً و حتى نعيدك لتدفن في تراب فلسطين التي أنجبتك لتكون فارساً من
من فرسانها و حكيماً في زمن قل فيه الحكماء ....
أشكر شعبنا الذي خرج إلى الشوارع و أقام مجالس العزاء في كل قرية و مدينة و مخيم في فلسطين و الشتات و شارك في إقامة القداديس و المسيرات مما خفف من مصابنا الأليم ، أشكر جميع الذين كتبوا كلمة حق إنصافاً للحكيم من برقيات تعزية و مئات المقالات التي نشرت و ألالاف المحبين من هذا الشعب الوفي الذين شاركونا العزاء
و من المسؤولين و جميع الأحزاب الوطنية و حركات التحرر العربية و العالمية، كل ذلك نعتبره تكريماً لمسيرة نضالية طويلة إستمرت ستين عاماً.
أكرر شكري لحضوركم و لمشا ركتكم ‘ و لكل من أحب الحكيم أقول له اليوم لنبقى أوفياء لكل القيًم و المبادىء التي كرس حياته من أجلها فهو باق معنا و بيننا و ستبقى ذكراه حيًة في ضمير الأمة ووجدانها لأن الثوار لا يموتون....
تحية إجلال و إكبار لشعبنا الصامد في فلسطين و إلى الأسرى و المعتقلين القابعين في سجون الإحتلال ، لهم منا كل الوفاء.
المجد و الخلود لك يا أبا ميساء و لكل الشهداء الأبرار....
وإنا على العهد باقون....







