Saturday, March 22, 2008

كلمة المناضلة هيلدا حبش في تأبين الحكيم


هيلدا حبش

أيتها الأخوات أيها الأخوة ، الرفاق الأعزاء ، ضيوفنا الكرام
إلى رفيق العمر و رفيق الدرب النضالي الطويل إليك يا حكيم يا أغلى الناس

حين يرحل الرجال تبقى كلماتهم و خطاهم نوراً يقاوم الظلام ، ينير وحشة الطريق ‘ حين يرحل الرجال تذرف الأرض دمعاً فتنبت قمحاً و مواسم حصاد. أيها الراحل المقيم في ذاكرة الأوطان غداً حين تتحدث فلسطين عن فرسانها ستروي حكاية حكيمٍ ، حكاية رجل عشق ترابها و أرضها فزهد الدنيا و قدم حياته قرباناً من أجلها فطوبى لك يا من مشيت درب الألام و رفعت الراية عالياً . لم تتعب يوماً و لم تكل في زمن تقزمت فيه المبادىء و القامات فبقيت أنت مرفوع الرأس شامخاً.

شكلت نكبة عام 48 نقطة التحول في حياته فحولته من طالب طب متفوق في الجامعة الإمريكية في بيروت إلى ثائر يحمل هموم شعبه و جراح وطنه فإستطاع أن يضع قضية فلسطين في قلب الأحداث و أن يطرحها على الرأي العام العالمي . ترك دراسته
عندما بدأت تتساقط المدن و القرى الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى على يد العصابات الصهيونية فإندفع نحو اللد ليعمل في أحد مستوصفاتها ليدافع عما تبقى من فلسطين
و لينقذ ما يمكن إنقاذه و لكنه أجبر على الخروج تحت تهديد السلاح مع شعبه في رحلة الجوع والعطش القهر و اللجوء. عاد إلى الجامعة الأمريكية لكنه لم يعد كما كان، تركها طالباً فعاد إليها ثائراً ليبدأ حلم الوحدة و رحلة التحرر و الثأر. تخرج طبيباً عالج الفقراء و الكادحين مع رفيق دربه الدكتور وديع حداد في عيادتهما المشتركة في عمان فكان ذلك نواة لإنطلاق عملهما النضالي في تعبئة الجماهيرفي المخيمات وبدأ الإعداد لمرحلة الكفاح المسلح فتحولت العيادة إلى ملتقى للشباب القومي العربي من كافة الأقطار العربية. فكانت تلك المرحلة بداية النهوض القومي في وجه المشروع الصهيوني.

كيف تستطيع الكلمات اليوم أن تختصر رحلتك الشاقة التي إستمرت ستة عقود من الزمن و أية مفردات في اللغة تستطيع أن تسجل سبعة و اربعين عاماً من رحلتنا المشتركة معاً قضيناها في ظروف قاهرة تتجاوز القدرة على الإحتمال .

محطات محفورة في الذاكرة و في نبض القلوب أستذكراليوم أولها ذلك الظرف الإستثنائي الذي تلا زواجنا بشهرين فقط و هو إنفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة و محاولة إغتيال حلم الوحدة العربية . شكل هذا الحدث الكبير صدمة عنيفة أصابت طموحاتنا الوطنية و القومية بالصميم و هنا بدأت رحلتي مع مواجهة الظروف الأمنية الصعبة حيث بدأت تتوالى الأحداث من ملاحقة و إعتقالات لكل ما يمت بعبد الناصر أو الناصرية بصلة. كنت أبحث عنه في المخافر و السجون أذكر كيف حملت إبنتنا ميساء في اليوم الخامس عشر بعد ولادتها إلى السجن في حرارة اَب الملتهبة ليراها والدها للمرة الأولى. كانت تلك هي البداية لرحلة طويلة من الملاحقة و الإختفاء
و التخفي و إستعمال الأسماء المستعارة و تغيير الأماكن و البيوت و الإبتعاد عن أالأضواء و صخب الحياة و مواجهة الكثير الكثير من محاولات الإغتيال ،
رحلة مسكونة بالقلق و بالتحدي. كنا نفهم المسؤولية على أنها تضحية و تفان و عطاء
و ليست مكتسبات و إمتيازات.

نصف قرن من الزمن و أنا إلى جانبه ألاحقه أبحث عنه لأجده في المواقع الأمامية إلى جانب المقاتلين يعيش بينهم و معهم ليقوي من عزيمتهم و يشد من أزرهم، يتخذ القرارات فيبدأ بنفسه أولاً ، كان ديمقراطياً بكل ما في الكلمة من معنى يتمتع برحابة صدر يتقبل النقد و يجيد فن الإصغاء كانت تدهشني قدرته على التسامح و الترفع عن الصغائر تدهشني قدرته على المحبة و إحتواء الأخرين . بعيداً عن ا لتعصب الحزبي والديني والعرقي.

نزف القلب الكبير ألماً على الإقتتال بين الأخوة و حزناً على إنحراف الطريق و هو الذي قضى عمره مدافعاً عن الوحدة الوطنية. عاد لينزف من جديد يوم نزفت غزة تحت الحصار فلم يعد قلبه يحتمل المزيد من المجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل بحق شعبنا في الأرض المحتلة أمام مرأى و مسمع العالم الذي لا يحرك ساكناً.

لقد بقي الحكيم و حتى أخر لحظة من حياته يفكر في قضايا شعبه و أمته و قضايا الجبهة الشعبية ، بقي على رأس العمل يشرف على شؤون الجبهة و يدير مركز الدراسات و يتابع الإصدارات بشغف و يتصل بالأصدقاء و المفكرين , و يقيم الندوات الفكرية. كان السؤال "لماذا فشلنا ؟ " رغم كل الإمكانيات البشرية و المادية و التضحيات الجسيمة التي قدمها شعبنا على مدار ستين عاماً دون كلل أو ملل... كان هذا هو السؤال الذي يؤرقه مما دفعه إلى تأسيس مركز دراسات الغد العربي الذي يعنى بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي . لم يقعده المرض كما تردد في وسائل الإعلام و لم ينل من عزيمته يوماً واحداً. لقد إستحق الحكيم لقب ضمير الثورة عن جدارة و بإمتياز لأنه كان الحارس الأمين على مكتسباتها و لم يفرط يوماً بالثوابت الوطنية و بحقوق الشعب الفلسطيني
في حق العودة وحق تقرير المصير و إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة و إزالة المستوطنات.

سيذكرك شعبك في الليلة الظلماء لأن الشعوب في ليلها الحالك تبحث عن حكمائها
أيها الحكيم يكفيك أنك أرهبت عدوك حياُ و أرهبته ميتاً فمنع إقامة ذكرى تأبينك في الناصرة كما منع إقامة مجالس العزاء في القدس ، فهم ما زالوا يخافون الثائر الذي لن يرحل يخافون روحه الباقية فينا.



أما فلسطين فهي أرض الأنبياء و هي عبق التاريخ و قاهرة الغزاة هي القادرة على أن تنجب الرجال وأن تصنع الشهادة و الولادة فأرقد قرير العين يا حكيم لأن شعبك ما زال يقاوم و على الدرب باقٍ حتى يعود اللاجئون المعذبون الذين قاتلت لإجلهم زمناً طويلاً و حتى نعيدك لتدفن في تراب فلسطين التي أنجبتك لتكون فارساً من
من فرسانها و حكيماً في زمن قل فيه الحكماء ....

أشكر شعبنا الذي خرج إلى الشوارع و أقام مجالس العزاء في كل قرية و مدينة و مخيم في فلسطين و الشتات و شارك في إقامة القداديس و المسيرات مما خفف من مصابنا الأليم ، أشكر جميع الذين كتبوا كلمة حق إنصافاً للحكيم من برقيات تعزية و مئات المقالات التي نشرت و ألالاف المحبين من هذا الشعب الوفي الذين شاركونا العزاء
و من المسؤولين و جميع الأحزاب الوطنية و حركات التحرر العربية و العالمية، كل ذلك نعتبره تكريماً لمسيرة نضالية طويلة إستمرت ستين عاماً.

أكرر شكري لحضوركم و لمشا ركتكم ‘ و لكل من أحب الحكيم أقول له اليوم لنبقى أوفياء لكل القيًم و المبادىء التي كرس حياته من أجلها فهو باق معنا و بيننا و ستبقى ذكراه حيًة في ضمير الأمة ووجدانها لأن الثوار لا يموتون....

تحية إجلال و إكبار لشعبنا الصامد في فلسطين و إلى الأسرى و المعتقلين القابعين في سجون الإحتلال ، لهم منا كل الوفاء.

المجد و الخلود لك يا أبا ميساء و لكل الشهداء الأبرار....
وإنا على العهد باقون....

Tuesday, March 18, 2008

جورج حبش: مأساة الامة العربية


جورج حداد

في اواخر شهر كانون الثاني 2008، غادرنا الى الابد القائد الوطني الفلسطيني والثوري الاممي جورج حبش.
كان جورج حبش واحدا من قلة من الرجال المناضلين والمفكرين الاحرار الذين وضعوا بصماتهم على القرن العشرين وألقوا بظلهم على القرن الواحد والعشرين.
ولد جورج حبش في اب 1925، ونشأ نشأته الاولى وسط عائلة مسيحية ارثوذكسية فلسطينية. اي انه واحد من ارومة اولئك المسيحيين العرب الاوائل، الضاربة جذورهم في عمق التاريخ، الذين يباهون العالم المسيحي خاصة والعالم بأسره عامة، بأنهم كانوا اول من وحد صفوف الامة العربية في نصرة قضية السيد المسيح، والوقوف معه ضد استبداد وطغيان الامبراطورية الرومانية وخيانة ومركنتيلية الطغمة المالية العليا لليهود وطغامتهم، التي حين خيّرها بيلاطس البنطي بين ان يطلق من السجن الصديق عيسى بن مريم او اللص باراباس صاحوا بدون تردد "باراباس!"، وحينما غسل بيلاطس يديه قائلا "انا بريء من دم هذا الصديق"، صاحوا "ليكن دمه علينا وعلى ذريتنا".

وحينما شرعت العصابات الصهيونية في تمزيق فلسطين تمهيدا لابتلاعها، لم يكن الفتى المسيحي ـ العربي اليافع جورج حبش يصدق ان العالم المسيحي المتحضر سيبيع وطن المسيح ببرميل نفط، كما باع يوضاس السيد المسيح بثلاثين من الفضة؛ كما لم يكن يصدق ان الامة العربية الكبيرة يمكن ان تهزمها عصابات المافيا الصهيونية.
وحينما كان الشاب جورج حبش يدرس الطب في الجامعة الاميركية ببيروت، لاجل خدمة بلاده ومجتمعه النامي الذي كان يطمح الى تحريره من الانتداب البريطاني بعد القضاء على النازية والفاشية، كانت صفقة روزفلت/تشرشل ـ ستالين لتقاسم النفوذ الدولي في العالم، وصفقات منح امتيازات التنقيب عن النفط في الاراضي العربية، تأخذ مجراها في الاعتراف باقامة دولة اسرائيل ككلب حراسة للمصالح الامبريالية النفطية وغير النفطية في المنطقة، وكـ"وطن قومي لليهود" على انقاض فلسطين العربية واشلاء الشعب الفلسطيني الذي تحول بأغلبيته الساحقة الى مهجرين مطرودين من بيوتهم، ومنهم عائلة جورج حبش.
وادرك جورج حبش باكرا حقيقتين:
الاولى ـ انه في ظل هيمنة الامبريالية والصهيونية على مؤسسات وقنوات ما يسمى "الشرعية الدولية"، فإن النضال السياسي السلمي وحده لن يؤدي الى الاعتراف بالحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني واعادة الحق الى نصابه؛
والثانية ـ ان المؤامرة هي اكبر من فلسطين، وانها تطال الامة العربية بمجموعها، التي تطمع الامبريالية والصهيونية العالمية بالخيرات غير المحدودة لارضها، وهما تخشيان ان توحد الامة العربية صفوفها للتحرر من ربقة الاستعمار الجديد والامبريالية.

بناء على هذا الوعي المبكر عمل جورج حبش في البدء على تأسيس "كتائب الفداء العربي"، التي كانت تعتمد خط الكفاح المسلح الفردي؛ ولكنه سرعان ما ادرك الاهمية الحاسمة للعمل الجماهيري الواسع، وللبعد القومي للقضية الفلسطينية، فأتجه مع رفاقه الاوائل وديع حداد وغيره لتشكيل "حركة القوميين العرب"، التي كان لها دور كبير في تطوير النضال الوطني على مختلف الساحات العربية وخاصة الساحة الفلسطينية واللبنانية واليمنية (وبالاخص اليمن الجنوبية السابقة)، وفي عمان والخليج، وحتى في عربستان ايران. وبعد هزيمة حزيران 1967، شكلت حركة القوميين العرب "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي شغل جورج حبش منصب امينها العام حتى سنة 2000، وكان ولا يزال لها دور نوعي كبير في تطوير الكفاح المسلح والنضال الوطني الفلسطيني عامة. ومن خلال رؤيته القومية، عمل جورج حبش على اقامة علاقات ثورية مع الفصائل الاخرى في حركة التحرر العربية، وخصوصا الحركة الناصرية التي كان يقودها جمال عبدالناصر.
وخلال مسيرته النضالية والفكرية، قبل وبعد تكوين "الجبهة الشعبية"، اكتشف جورج حبش ان النضال من اجل التحرر الوطني الفلسطيني والعربي يرتبط تمام الارتباط بالنضال لاجل العدالة الاجتماعية والاشتراكية، ضد الامبريالية والصهيونية والرأسمالية، فطرح موضوعة التحول نحو تبني الفكر الاشتراكي العلمي ، الماركسي ـ اللينيني، وبناء التنظيم الثوري البروليتاري، القومي العربي، الاشتراكي، كجزء لا يتجزأ من الحركة الاشتراكية والشيوعية العالمية. وبناء على هذه الرؤية اقامت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" علاقات رفاقية مميزة مع الاتحاد السوفياتي السابق والبلدان الاشتراكية السابقة، ومنها خصوصا بلغاريا الشعبية والحزب الشيوعي البلغاري (سابقا).
والى جانب الصفات الشخصية الرفيعة التي تميز بها جورج حبش، والتي يعترف له بها خصومه قبل رفاقه واصدقائه، يمكن القول ان فكره وكفاحه ارتكزا الى ثلاثة اسس مركزية:
1 ـ الكفاح الثوري الوطني الفلسطيني، القائم على الايمان بعدالة القضية الفلسطينية وتحرير كامل التراب الفلسطيني وعودة جميع المهجرين الفلسطينيين الى ديارهم، ووحدة النضال الفلسطيني، واقامة الدولة الدمقراطية الفلسطينية العربية التي يمكن ان يعيش فيها ايضا المواطنون اليهود الشرفاء غير العنصريين الصهاينة.
2 ـ الارتباط العضوي للنضال الوطني الفلسطيني بالنضال لاجل تحرير وتوحيد الامة العربية، ضد الاستعمار والامبريالية والصهيونية والرجعية.
3 ـ الارتباط العضوي للنضال التحرري الفلسطيني والعربي، بالنضال البروليتاري الاممي لاجل تحقيق العدالة الاجتماعية والاشتراكية، والقضاء على الاستغلال الطبقي والرأسمالية ـ الأساس المجتمعي لكل الشرور الاجتماعية والعنصرية والفاشية والصهيونية والطائفية والاستعمارية والامبريالية.
ولكن، الى جانب الصعوبات الموضوعية الهائلة التي كانت "الجبهة الشعبية" بقيادة جورج حبش، والحركة الوطنية الفلسطينية والعربية عامة، تواجهها، ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية؛ فقد بدأ الخط التطويري الثوري لجورج حبش يواجه ايضا صعوبات اكثر خطورة، من داخل الدوائر النضالية التي كان يتحرك فيها، وبدا وكأن هذا الخط يسبح ضد التيار. ونلخص هذه الصعوبات "الداخلية" بما يلي:

اولا ـ في الاطار الوطني الفلسطيني: في هذا الاطار اصطدم تيار جورج حبش ليس فقط بالعدو الصهيوني والامبرالية الاميركية الداعمة بكل قوتها له، وبالخونة والعملاء والجواسيس المرتبطين بالمخابرات والاجهزة الاسرائيلية والاميركية والانظمة العربية الرجعية الحليفة للامبريالية، بل واخذ منذ البداية يصطدم بالقوى الوطنية الفلسطينية ذاتها، البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، التي وضعت سقفا للنضال الفلسطيني هو سقف الاعتراف المسبق بحتمية وجود اسرائيل، بقوة الحق المزعوم او بحق القوة، و"التفاهم" مع اسرائيل على "تحرير" جزء من الارض الفلسطينية لاقامة دولة فلسطينية مسخ تتعايش سلميا مع اسرائيل. وقد وجد هذا الخط "التفاهمي" انعكاسه او دعما له من قبل بعض الفصائل التي تدعي اليسارية والتقدمية وحتى "الشيوعية" بالتناغم مع ما يسمى "الحزب الشيوعي الاسرائيلي" الذي قام منذ البداية على الاعتراف باسرائيل قبل ان تولد، وبعد ان ولدت وقامت على اشلاء الفلسطينيين والشعب الفلسطيني. وهكذا وجدت "الجبهة الشعبية" بقيادة جورج حبش نفسها محاصرة من "اليمين" الوطني الفلسطيني، بزعامة عرفات، اللاهث الى اقامة "سلام الشجعان" مع اسرائيل، الى "اليسار" الفلسطيني اللاهث ايضا خلف التفاهم مع اسرائيل و"تهذيب" الصهيونية، للوقوف بوجه تمدد وانتشار التيار الديني، باسم "الدمقراطية" و"الليبيرالية" و"حقوق الانسان" و"العلمانية" و"العولمة". وكان يزيد في خطر الحصار الفلسطيني الذي واجهه تيار جورج حبش دفق المساعدات المالية التي كانت تتلقاها من الانظمة العربية مختلف التنظيمات والتيارات والاتجاهات المنحرفة، الساعية الى المفاوضات والتفاهم مع العدو.
ثانيا ـ في الاطار القومي العربي: مثلت فترة الخمسينات من القرن الماضي ذروة تصاعد النضال التحرري في مختلف الاقطار العربية ضد الاستعمار التقليدي والقواعد العسكرية والاحلاف الاجنبية. وفي هذه الفترة بالذات حصلت معظم البلدان العربية على استقلالها السياسي، كما حصلت الثورات والانتفاضات والانقلابات الوطنية في مصر وسوريا والعراق والاردن ولبنان والجزائر واليمن وغيرها. وهذا ما اعطى للتوجه القومي لتيار جورج حبش مصداقية وزخما كبيرين. ولكن وصول مختلف القوى الوطنية "القومية" و"الثورية" و"التقدمية" الى السلطة، في العديد من البلدان العربية، كمصر وسوريا والعراق والسودان والجزائر واليمن وليبيا، وبدلا من ان يشكل خطوة نوعية الى الامام في تطور حركة التحرر الوطني العربية، شكـّل ـ بالضد ـ اكبر نكسة للحركة الوطنية العربية وللقضية الفلسطينية والقضية العربية ولقضية تحرر الشعوب عامة. اذ ان الانظمة "الوطنية" و"التقدمية" و"الثورية" العربية، وبالرغم من كل الدعم الشعبي العربي والدولي الذي حصلت عليه، غرقت الى ما فوق الاذنين في مستنقع السلطة القطرية، وفشلت فشلا ذريعا في مواجهة اسرائيل (في هزيمة حزيران 1967، ظهر تماما ان الجاسوسية الاسرائيلية والاميركية قد اخترقت حتى النخاع الشوكي النظام المصري، بحيث ان الطيران الاسرائيلي قام في ساعات معدودة بضرب جميع القواعد والمطارات الحربية المصرية السرية، وفي المطارات التي كان يوجد فيها طائرات حقيقية وهياكل (ماكيتات) طائرات للتمويه، كان الطيران الاسرائيلي يعرف مسبقا ماذا يضرب، بحيث كان يقصف الطائرات الحقيقية ويترك الماكيتات سالمة، بقصد تشجيع "الصناعة الوطنية" المصرية طبعا!؛ وفي سوريا تم تسليم مرتفعات "الجولان" الستراتيجية بدون قتال، مع انه كان يحتشد فيها 70 الف جندي بأحدث وجميع انواع الاسلحة السوفياتية من دروع ومدفعية وطيران وقوات مشاة مؤللة والاسلحة المضادة للدروع الخ)، كما انها ـ اي تلك الانظمة "الوطنية" غرقت تماما في المحسوبية والفساد والانحطاط الاخلاقي والاثراء غير المشروع. ولكي تغطي فشلها التاريخي، ولخنق اي انتقاد مهما كان بسيطا، عمدت الى اعلان "حالة الطوارئ" (بحجة مواجهة اسرائيل وكشف مؤامرات "الاعداء") وتطبيق انظمة عسكرية ـ مخابراتية استبدادية دكتاتورية هي ابشع ما واجهته الامة العربية منذ عصر المماليك والعثمانيين. وحتى المناضل الوطني والتقدمي النقي الدكتور جورج حبش لم يسلم من الاعتقال على يد احد تلك الانظمة، وتم تهريبه بعملية فدائية نظمها رفيق دربه الدكتور وديع حداد. هذا النموذج السلبي الذي قدمته الانظمة "الوطنية" و"التقدمية" العربية، شكل حالة خذلان كبير للتوجه القومي لجورج حبش، بحيث بدا وكأن المشكلة ليست فقط في الرجعية العربية المتعاونة مع الامبريالية والمتواطئة ضمنا مع اسرائيل، بل وأن الحالة العربية كلها هي حالة مرضية مستعصية على العلاج ويكاد يستحيل الركون اليها.

ثالثا ـ في الاطار الاممي : في هذا الاطار كانت المعاناة الرئيسية لجورج حبش. فمن خلال وعيه الوطني الفلسطيني والقومي العربي، ونضاليته الصادقة، وتقييمه الايجابي للثورات التحررية والوطنية الدمقراطية التي اتخذت بعدا اشتراكيا في الصين وفيتنام وكوبا، واستنادا الى الاساس الاممي الاول الذي كان يقوم عليه الاتحاد السوفياتي وهو التآخي بين الشعب الروسي خاصة والشعوب السلافية عامة وبين شعوب آسيا الوسطى الاسلامية، كان جورج حبش يأمل في تحقيق نقلة نوعية في حركة التحرر الوطني العربية برمتها، بتوحيد مختلف فصائلها على اساس الفكر الاشتراكي العلمي، الماركسي ـ اللينيني، وكان يطمح الى تحويل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" من تنظيم ثوري وطني دمقراطي برجوازي صغير، الى تنظيم طليعي بروليتاري يقتدي بالنظرية الماركسية ـ اللينينية، ويضطلع بدور استقطاب مختلف فصائل حركة التحرر الوطني العربية ودفعها الى تبني البعد الاشتراكي للثورة على الامبريالية والصهيونية والرجعية، والتحول الى جزء لا يتجزأ من الحركة الاشتراكية والشيوعية في العالم، والى حليف عضوي للمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي. ونظرا للدور المركزي الذي اضطلعت به "حركة القوميين العرب" في ثورة التحرر الوطني ومن ثم في اقامة النظام الدمقراطي الشعبي في اليمن، وبناء الحزب الاشتراكي اليمني الموحد الذي قاد تلك التجربة، فقد كان جورج حبش يأمل بأن تكون تجربة اليمن الدمقراطي، من جهة، مثالا نموذجيا لاقامة النظام الدمقراطي الشعبي العربي، ولتحويل اليمن الدمقراطية، من جهة ثانية، الى قاعدة ثورية تقدمية عربية لجميع فصائل الحركة الوطنية العربية من منظور ايجاد الحل الثوري واعطاء البعد التقدمي، الاممي والاشتراكي للقضايا الوطنية العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ولو كانت الظروف القائمة في ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي "طبيعية"، لكانت التطلعات التاريخية لجورج حبش اخذت فعلا مجراها "الطبيعي"، ولتغير مسار الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة التحرر الوطني العربية، وبالنتيجة لتغير مسار التاريخ العالمي برمته؛ لانه كان من الواضح تماما، ويتضح الان اكثر فأكثر، ان مصير العالم يتوقف على مسار الصراع في المنطقة العربية وعليها.
وطبعا ان جورج حبش و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" والنظام الدمقراطي في اليمن الجنوبية استـُقبلوا بالاحضان في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية السابقة، وتلقوا المساعدات بمختلف اشكالها، مثلما كان يتلقاها النظام المصري (الناصري) والسوري والعراقي (البعثيين) ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.
ولكن جورج حبش اصطدم بواقع مرير لم يكن ـ بنقائه الثوري واخلاصه المبدئي ـ يتصوره، وهو ان القيادة السوفياتية (وملحقاتها في مختلف الدول الاشتراكية والاحزاب الشيوعية العربية والحزب الشيوعي الاسرائيلي) لم تكن تؤيد مشروعه التاريخي لتحويل فصائل حركة التحرر العربية الى تنظيمات ثورية بروليتارية، تتبنى الاشتراكية العلمية والماركسية ـ اللينينية، ولاعطاء حركة الثورة العربية بعدا اشتراكيا. لانه اذا تحولت الثورة العربية الى ثورة اشتراكية، وفي حال انتصارها، فهذا يعني القضاء التام على النظام الرأسمالي العالمي برمته، وعلى الامبريالية والصهيونية العالمية. وهذا ما لم تكن تريده القيادة السوفياتية وغيرها من القيادات الشيوعية المنحرفة بأي شكل من الاشكال.
فالقيادة السوفياتية، منذ الانقلاب الستاليني على لينين واللينينية في 1918، لم تكن في حقيقة الامر سوى طابور خامس سري للنظام الرأسمالي العالمي، مهمتها الاساسية ـ وهي تتبوأ المركز القيادي الاول في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية ـ ان تشوه بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي (واستطرادا في البلدان الاشتراكية الاخرى)، وان تكبح الحركة الثورية، الشيوعية والتحررية الوطنية، العالمية، من الداخل، بمختلف اساليب التضليل والديماغوجية والمؤامرات السرية مع الاجهزة الامبريالية والصهيونية العالمية.
ولبعض الذين لا يزالون مضللين حول هذه النقطة الجوهرية والمفصلية، ليس من الضرر ان نذكر ببعض الحقائق التاريخية: بدأ الانقلاب الستاليني على اللينينية، مباشرة بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية سنة 1917، خلال ظروف حرب التدخل الاستعماري ضد السلطة السوفياتية الفتية، التي كانت تشارك فيها 14 دولة امبريالية ورأسمالية عالمية واوروبية، جنبا الى جنب الحرب الاهلية التي كانت تشنها قوى القيصرية والرأسمالية الكبرى الروسية ضد العمال والفلاحين والجماهير الفقيرة والانتلجنتسيا الثورية الروسية.
وقد بدأت المؤامرة بمحاولة اغتيال لينين في 30 اب 1918، والتي قيل ان التي نفذتها هي الفتاة الصهيونية فاني كابلان، وشارك فيها الجاسوس البريطاني الصهيوني اليهودي الروسي الاصل سيدني رايلي. وقد لف الغموض التام مصير هذين الشخصين. وحينما اصيب لينين بالرصاص رفض ان ينقله الاسعاف الى المستشفى، وطلب نقله الى منزله، لانه شك بوجود "مؤامرة داخلية" ضده وخشي ان يتم الاجهاز عليه في المستشفى. وحينما مرض لينين بعد ذلك فإن ستالين "وضع يده عليه" بالمعنى الحرفي للكلمة وعامله معاملة اشبه ما تكون بمعاملة سجين سياسي. وهناك شكوك حول السبب الحقيقي لوفاة لينين، ويذكر انه بعد وفاته في كانون الثاني 1924، كشفت على جثته هيئة طبية مؤلفة من 25 طبيبا، ولكن ثمانية فقط وقعوا تقرير الوفاة. وبعد وفاة لينين، اطلقت عصابة ستالين الاشاعات غير الرسمية بأنه مات بسبب مرض زهري، بقصد تشويه سمعته الشخصية والسياسية. والمصير الغامض لكابلان ورايلي، ومن ثم الغموض الذي يحيط بموت لينين بعد ذلك، كلها وقائع تشير الى ضلوع الخائن ستالين في المؤامرة منذ البداية.

وكانت المؤامرة الامبريالية الغربية ـ الصهيونية ـ البرجوازية الروسية ـ الستالينية تقوم على ما يلي:
ـ التخلص من لينين واللينينيين.
ـ تحريف شعار الثورة الاشتراكية في بلد واحد، وتحويله الى شعار "بناء الاشتراكية" في بلد واحد.
ـ تحريف الاشتراكية وتحويلها الى نظام مركزي فرعوني تسيطر عليه الأجهزة البيروقراطية القمعية الستالينية، يقدم بعض الخدمات للجماهير الكادحة من اجل تضليلها وتنويم يقظتها، مقابل فرض السيطرة الكاملة للبيروقراطية على الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والقضاء على مبدأ التسيير الذاتي الاجتماعي والدمقراطية الشعبية الحقيقية، والغاء مبدأ الشعب المسلح والاستعاضة عنه بالجيش المحترف واجهزة القمع المحترفة.
ـ تصفية الحزب الشيوعي البولشفي (حزب لينين) بالتدريج وتحويله الى حزب دكتاتوري سلطوي، يمارس دكتاتوريته على الجماهير، بدلا من دكتاتورية البروليتاريا الثورية ضد اعدائها.
ـ تنسحب الجيوش الاجنبية من روسيا السوفياتية، مقابل التزام القيادة السوفياتية (الستالينية وما بعدها) بعدم دعم الحركات الشيوعية والثورية، وخصوصا عدم دعم الثورات الاشتراكية في اي بلد خارج الاتحاد السوفياتي، بحجة "عدم التدخل" في الشؤون الداخلية للبلدان الاجنبية وما يسمى "عدم تصدير الثورة". وهذا يعني ترك الحبل على الغارب للدول الاستعمارية ان تسحق الحركات التحررية لاي شعب في العالم، بدون ان يحق للحركة الشيوعية، في الاتحاد السوفياتي وغيره، ان تدعم تلك الحركات. واي دعم سوفياتي "اضطراري" للحركات التحررية والثورية ان يتم بغرض حرفها عن الطريق السليم، واجهاضها والتآمر عليها مع الامبريالية والصهيونية العالمية.

ـ ان لا تتخلى القيادة السوفياتية عن مظهرها "الشيوعي" الشكلي، بل ان تعزز هذا المظهر الخادع، من اجل استخدام نفوذها "الشيوعي" في حرف اي حركة ثورية عن طريقها الصحيح والتآمر لتصفية القيادات الشيوعية الثورية الحقيقية في اي بلد كان، بالتعاون مع الدوائر الامبريالية والصهيونية.
وفي ظروف الحرب العالمية الثانية وما اسفرت عنه من القضاء على النازية والفاشية، فإن المؤامرة الامبريالية العالمية ـ الصهيونية ـ الستالينية اتخذت شكل ما يعرف باسم "اتفاق يالطا" لتقاسم النفوذ العالمي، وهو الاتفاق الذي تم بين روزفلت وتشرشل من جهة وستالين من جهة ثانية. وكانت اولى ثمار هذا الاتفاق حل الاممية الشيوعية (الكومنترن)، والاعتراف السوفياتي بتقسيم فلسطين واقامة دولة اسرائيل بدعم من الستالينيين.
وبعد موت الخائن ستالين تابع الانتهازي والخائن النيوستاليني نيكيتا خروشوف خط التفاهم مع الامبريالية العالمية، والتخلي عن الخط الثوري، والتخلي عن الاشتراكية ذاتها، والتخلي عن دكتاتورية البروليتاريا، تحت شعارات مثل "التعايش السلمي" بين الرأسمالية والاشتراكية، و"الطريق السلمي الى الاشتراكية" و"التطور اللارأسمالي" و"دكتاتورية كل الشعب".
وبعد خروشوف، تابعت القيادة السوفياتية البريجنيفية ثم الغورباتشوفية الخط الخياني ذاته، الذي قاد اخيرا الى اسقاط المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي ومحاولة تخريب روسيا تخريبا تاما وتحويلها هي ذاتها الى مستعمرة اميركية ـ صهيونية عالمثالثية.

وخلال هذه المسيرة الخيانية للقيادة الستالينية والنيوستالينية السوفياتية، تم التآمر بين الاجهزة السرية السوفياتية والغربية لاعدام وتصفية قادة شيوعيين ثوريين مثل: يوسف سلمان (فهد) وفرج الله الحلو وحسين الرضي (سلام عادل) وعبدالخالق محجوب وارنستو تشي غيفارا وغيرهم كثير.
كما عملت تلك القيادة الخائنة على تخريب الحكم الدمقراطي الشعبي المستقل في اليمن الجنوبية وافغانستان واثيوبيا، وضرب مختلف الفصائل والقيادات الحزبية بعضها بالبعض الآخر، توصلا الى ايجاد انظمة حكم عميلة تابعة مباشرة للاجهزة السوفياتية وارسال القوات السوفياتية الى تلك البلدان، كما كان الامر في اوروبا الشرقية، للوقوف بوجه اي تجربة اشتراكية دمقراطية شعبية حقيقية، ولمنع انتشار العدوى الثورية في محيط تلك البلدان، ولنسخ النموذج الدكتاتوري البيروقراطي الستاليني، الذي يعطي اسوأ فكرة عن الاشتراكية وينفر الجماهير الشعبية داخل البلد المعني، ومختلف الشعوب خارجه، من الاشتراكية والطرح الاشتراكي. وقد ادت هذه السياسة المشبوهة الى تمزيق اليمن الجنوبية والحزب الاشتراكي اليمني، والى اندلاع المذابح "الرفاقية" على اساس سياسي ـ شخصي ـ عشائري، وبالنتيجة الى السقوط التام للتجربة اليمنية كلها.
وبطبيعة الحال كانت القيادة السوفياتية قد عملت على "اقناع" اليمن الدمقراطية والحزب الاشتراكي اليمني وحركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على التخلي عن دعم الكفاح المسلح الذي كانت تقوده "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج" في الخليج و"الجبهة الشعبية لتحرير عربستان" في ايران الشاهنشاه.

واخيرا فإن الاجهزة السوفياتية السرية عملت ايضا على اضعاف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بمختلف الوسائل الملتوية، وبالتعاون مع اجهزة المخابرات العربية "الصديقة للسوفيات" (لا سيما السورية والعراقية)، وكذلك اجهزة المخابرات الاميركية والاسرائيلية. ونشير على هذا الصعيد الى ما يلي:
1 ـ العمل لشق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وخلق "جبهات" منشقة عنها ومنافسة لها.
2 ـ العمل لخلق "منظمات" و"احزاب" "شيوعية" و"ماركسية ـ لينينية"، منشقة ايضا عن "الجبهة" ومنافسة لها.
3 ـ ممارسة الضغط الشديد على "الجبهة" لوقف العمليات الخارجية، بحجة الطابع الارهابي لتلك العمليات، علما انه كان بالامكان تغيير اشكال واهداف تلك العمليات وتوجيهها نحو اهداف عسكرية وسياسية عدوانية مكشوفة. ولكن القيادة السوفياتية لم تكن تريد "تصويب" العمليات الخارجية، بل كانت تريد عدم ازعاج الامبريالية والصهيونية العالمية في نقاط ضعفها الخارجية وعدم توسيع نطاق المعركة العربية ضد الامبريالية والصهيونية.
4 ـ تفشيل العمليات الفدائية داخل ما يسمى "اسرائيل" او داخل الاراضي المحتلة في 1948، باعتبار ذلك "تعديا" على "الشعب الاسرائيلي" في "وطنه" وارضه، وهو ما يتناقض مع الاعتراف السوفياتي باسرائيل. وكان ذلك يتم بالضغط "الفكري" و"السياسي"، وكذلك بالتنسيق المخابراتي مع الموساد، حيث كان يتم اصطياد كوادر ومناضلي "الجبهة" بطريقة ذكية لا تنكشف الجهة التي "تهديهم"
لقبضة الموساد.
5 ـ كشف واغتيال العدو اللدود للامبريالية والصهيونية المناضل الفذ وديع حداد؛ ولم يكن بالامكان تنفيذ هذه الجريمة بدون التعاون الوثيق بين المخابرات الاميركية والاسرائيلية، من جهة، والمخابرات السوفياتية والصدامية من جهة اخرى.
6 ـ الحؤول دون التعاون بين الاحزاب الشيوعية الكلاسيكية وبين "الجبهة"، والتشكيك بها وبخيارها اليساري الماركسي ـ اللينيني، بحجة انها تنظيم بورجوازي صغير و"يساري مغامر".
7 ـ واخيرا لا آخر، فإن الاجهزة السوفياتية كانت، من وراء الستار، تنسق مع الاجهزة السرية الاميركية والانظمة والاجهزة العربية لاغداق المساعدات المالية والتسليحية على المنظمات الفلسطينية المناوئة للجبهة، ولافتعال المعارك الجانبية معها لاغراقها في مستنقع النزاعات وعزلها عن قطاعات جماهيرية واسعة واضعاف توجهاتها اليسارية والماركسية ـ اللينينية.
XXX
نخلص من ذلك كله الى ما يلي:
أ ـ في وقت كان فيه جورج حبش وتياره ومناصروه يريدون توحيد النضال الوطني الفلسطيني والنضال القومي العربي؛ كانت القيادات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة الفلسطينية تتهالك على الصلح والاعتراف والتطبيع مع اسرائيل والتخلي عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وكانت القيادات والاحزاب "القومية" العربية التي وصلت الى السلطة تعمل على دفن كل ماضيها النضالي ذاته وتتهالك على اقدام الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية للتفاهم معهما، ومن ثم كان تلك القيادات والسلطات "القومية" تتآمر للتخلص نهائيا من "عبء" القضية الفلسطينية والقضية القومية العربية وخصوصا "عبء" آفاق البعد الاشتراكي للثورة العربية.
ب ـ حينما جاء جورج حبش وتياره ومناصروه الى تبني الاشتراكية العلمية والماركسية ـ اللينينية، كانت مؤامرة الانقلاب الستاليني والنيوستاليني على الاشتراكية والحركة الشيوعية العالمية قد بلغت مراحلها الاخيرة. وشكل جورج حبش وتياره ومناصروه عامل ازعاج للقيادة السوفياتية الخائنة، فعملت على ضربه بأسرع ما يكون دون ان تلفت النظر الى حقيقتها الخيانية، كي لا تتلقى ردة الفعل من قبل تيار جورج حبش. فطبق عليه المثل القائل "من بيت ابي ضربت".
بهذه السيرة الذاتية المأساوية الشخصية والسياسية عاش جورج حبش ضمن حلقتي صراع مركبتين: الاولى ـ الصراع ضد جبهة الاعداء المكشوفين: الامبريالية والصهيونية والرجعية. والثانية ـ الصراع "داخل البيت" ضد من كان يظن انهم اصدقاء وحلفاء ورفاق، في حين انهم لم يكونوا سوى امتداد للاعداء المكشوفين واخطر منهم.
واذا كانت مأساة جورج حبش تتلخص في انه "لم ينجح" في تحرير فلسطين، كما تحررت فيتنام او الجزائر، و"لم ينجح" في بناء التنظيم الماركسي ـ اللينيني القومي العربي الشامل والاممي، فإن هذه المأساة ليست سوى صورة مصغرة، او مكثفة، لمأساة الامة العربية بأسرها، ولمأساة العالم المعاصر بأكمله، المتمثلة في انحراف منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الثورية العربية والحركة الشيوعية العالمية وغرقها في الانتهازية السلطوية التي ولدت الدكتاتوريات الستالينية واشباهها في الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي السابقين كما في البلدان العربية "المتحررة".

ولكن سيكون من الغباء المطلق ان يظن احد ان "الهاجس التاريخي" او "الامل التاريخي" الذي كرس له جورج حبش حياته الزاخرة قد ذهب ادراج الرياح.
ففيما مضى سبق للثورة الفرنسية الكبرى ان انتكست ايضا، وتحولت الى امبراطورية بونابرتية مهدت الطريق لعودة آل بوربون انفسهم الى الحكم في فرنسا. فهل أعاد التاريخ الملكية نهائيا الى فرنسا؟ ـ كلا! ان مبادئ الثورة الفرنسية عادت فشقت طريقها من جديد بدون البونابرتية.
والفكر الاشتراكي العلمي، والثورة الاشتراكية والتحرر الوطني والاجتماعي الحقيقي، ستعود لشق طريقها من جديد، في كل مكان، بدون الستالينية والدكتاتوريات المشابهة لها، وبدون خيانة القياداات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة التي سترمى الى مزبلة التاريخ جنبا الى جنب الامبريالية والصهيونية والرجعية، تماما كما ألقيت الى مزبلة التاريخ البوربونية والبونابرتية والهتلرية.
والقيمة التاريخية لجورج حبش انه، وبالرغم من الانهزامية والخيانية الفلسطينية والعربية، وبالرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، فإنه ـ وحتى الرمق الاخير ـ لم يفقد الامل والثقة التامة بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وبقدراته الكفاحية، وبحتمية انتصار حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية، كما لم يفقد الامل والثقة التامة بالفكر الاشتراكي العلمي والماركسية ـ اللينينية وحتمية انتصار الثورة الاشتراكية في العالم اجمع!

Monday, March 17, 2008

جورج حبش..وداعا


محمد الشحري
لملمت كل كبريائك ورحلت، قررت فجأة الرحيل دون أن تلتفت للخلف هذه المرة ودون أن تأمل بالعودة، العودة التي عملت من أجلها ولها كل تلك السنين، لماذا اخترت التلاشي في صمت رهيب؟!،هل سئمت الحياة بيننا ؟ أم أنك لم تعد ترى أملا مشرقا لهذه الأمة المتناثر أشلائها بين الصهاينة والأمريكان، وبعض أبنائها الموعودين بالحور العين،اللاتي لا يتكلف مهورهن سوى حزاما ناسفا يُفجر وسط بسطاء البسيطة،لماذا تتركنا فرادا وترحل؟! هل أيقنت أن الأمة لا دواء لها وعجزت عن العلاج ؟.
العربة التي وضعتها على السكة مازالت بحاجة إليك لتدفعها للأمام،الجراح غائرة لا تزال تنزف وبحاجة لمن يضمدها، الصدر الفلسطيني مفتوحا لرصاص الصهاينة والفصائل الفلسطينية المتناحرة على سلطة وهمية خادعة، المقام الذي كنت أحد زواياه نخشى عليه من الاندثار بعدك.أتتركنا وتمضي غير عابئا بآلامنا؟!!.
من همس لك بأن الأمة لم تعد بحاجة إليك؟!!
نحن أحوج إليك من كل نسمة هواء...ومن كل فجر ..ومن جيل لا يعتنق الكفاح.
لمن تتركنا في هذا الجدب والسنين العجاف؟!!

القومية تناديك يا حبش فقد فقدت فلذة من فلذات كبدها، وتنكر لها الأحفاد ورجمها كل من يظن أنه لا يحصل على شرعية إلا إذا رمى القومية ونعتها بأقذع السب واللعنات.

يا حكيم القومية والتحرر والكفاح والثأر،الأرض عطشى وفي حاجة إليك وإلى رفاقك المخلصين،أنتم من يؤجج لهيب الحماس في نفوس الشباب المخدر بجنان الغرب حينا والحوريات في بعض الأحايين، الشباب الهائم على وجهه دون تحديد المسار ودون ربابنة عظام.

تلتف حوله الجماهير مطمئنة على مستقبلها معكم واثقة بنهجكم الحر النزيه.
أنتم من تغرسون في الذوات العزة والمهابة والذود عن حياض العروبة فكرا نيرا وكفاحا مقدس،يا فقيد الفقراء الذين عالجتهم مجانا في عيادتكم في شارع الملك طلال مع رفيكم الخالد والمناضل التاريخي المرحوم الشهيد (وديع حداد) ننعيك وينعيك معنا كل ثائر عمل تحت إمرتكم يوما، من رفاقكم في الوطن العربي الكبير،إلى أحرار اليابان الذين لقنوا الامبريالية الصهيونية درسا قاسيا في مطار اللد ، ينعيك معنا المناضل الفنزويلي(كارلوس ابن آوى) القابع في السجن الفرنسي، والشهيد النيكاراجوي (باتريك ارغوليو) الذي شارك في عملية خطف الطائرة الإسرائيلية مع ابنة الجبهة الشعبية المناضلة ليلى خالد –أطال الله عمرها- وتنعيك معنا المناضلة البحرينية المرحومة (ليلى فخرو) أو كما تعرف (بماما هدى) وكل ثائر من جهات الأرض الأربع،ننعيك ونحن في زمن موحل بالمهانة لا نجرؤ على نفضها عن كاهلنا ،و العار بلغ إلى الأذقان بعد أن رأينا بعض الأنظمة العربية تسلم كل من يتعاطف مع القضايا العربية إلى أعدائها،بل وتمنعهم من دخول مطاراتها ،الدول التي وصفها الشهيد (غسان كنفاني) بأنها ساحة ينطلق منها الكفاح المسلح حينما أكد على أن " بلدان المحيط العربي خصوصاً ليست جبهة ضرورية فحسب وإنما هي جبهة فلسطين الوحيدة، وان كل شهيد فلسطيني نفقده على الحدود مع إسرائيل، قبل تغيير أوضاع تلك الساحة ثورياً، هو هدر سيحاسبنا عليه التاريخ" ولكن بعد استشهاد غسان بسبع سنين رفرف العلم الصهيوني فوق أجزاء من تلك الساحة المحيطة بفلسطين التي آمن – غسان- بعمقها الاستراتيجي لخدمة القضية الفلسطينية، للحكيم (جورج حبش) نقول وداعا أيها الرفيق، وداعا أيها الرمز السامي وداعا أيها المناضل العربي الأبي وداعا أيها الطبيب الطيب،الخالد في الذاكرة بعطائك ألا محدود للقضايا العربية،وبتأسيس الجبهة الشعبية التي قدمت خيرة أبنائها والمتعاطفين الأممين معها فداءا لفلسطين،لقد كان تنحيكم عن أمانة الجبهة هو خير دليل على سمو قدركم وبعدكم عن الاستئثار بالمناصب والكراسي،نفسكم بعيدة عن المطامع بُعد الثرى عن الثريا، تنازلتم عن الأمانة لمن تثقون به قائدا ومناضلا فذا.
فلم يخيب (أبو علي مصطفى) الظنون،ولكن أيادي الصهيونية القذرة حرمتنا من هذا الشهيد ، وكان ثأر الجبهة سريعا ومؤثرا في العدو، وهو ما يزيد من احترام الجماهير لهذه الجبهة التي ترد الصاع صاعين،ولكي لا نبخس حق الثائر الأسير (أحمد سعدات)- فك الله أسره- فقد أثبت أن هذه الجبهة لا يقودها إلا من يسير على خطى الصمود،والمقاومة حتى تحرير الأرض المغتصبة،ولا يسعى لتقاسم الفتات من مزابل العدو،ولا لرضاء بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع الصهيونية تحت أسماء سلام وتسوية وحل عادل،ولكنها في الواقع استسلاما وتطبيعا مجانيا.

يا ملائكة السماء افتحوا الأبواب لروح الثائر والمناضل الصاعدة إليكم ،يا كنائس الأرض دقِ النواقيس حدادا على من فقدناه،يا مآذن كل الجهات ارفعي الآذان ترحما على روح الرفيق،يا ثرى (مقبرة سحاب) نستودعك حبش فرِفقا بجسده الطاهر،و أفسحي له أحضانك ليرقد في ترابك بسلامٍ فقده على الأرض، وكافح من أجله كل تلك السنين .فيا فلسطين حق عليك أن تحزني على فقدان ابنك البار بك وبشعبك.

لقد وصلنا في ظفار بعضا من نفحات الحكيم ورفاقه سواء من القوميين العرب أو فيما بعد من الجبهة الشعبية، كانت ظفار آنذاك تعيش أسوء حالة في البلاد العربية فقرا وجوعا واضطهادا ،ولم يزيح ذلك الليل المبهم إلا جبهة تحرير ظفار التي ضمت في صفوفها بعض الظفاريين الذين يعملون في الخليج وخاصة في الكويت والتحقوا هناك بحركة القوميين العرب، وكان يطلق عليهم لقب (المهرة) مع العلم أن أغلبهم لا ينتمي عشائريا لقبيلة المهرة،وسبب التسمية يعود للوثيقة التي يحصل عليها المسافر الظفاري،الذي يهاجر إلى الخليج فقد كانت تصدر من جهة (بن عفرير المهري)الذي تربطه صداقات مع الإنجليز،و كان الإنجليز يسيرون الحياة السياسية والاقتصادية في الخليج آنذاك،لذلك أطلق على كل من يحمل تلك الوثيقة لقب (المهري)وكأنها جنسية.

أثناء وجود الظفاريين في الكويت تأسس النادي الثقافي العربي على يد الدكتور أحمد الخطيب - أحد المؤسسين لحركة القوميين العرب- مع بعض الشخصيات العربية المتواجدة آنذاك للعمل في الكويت،وكان النادي الثقافي واجهة الحركة القومية التي استقطبت العديد من الشباب العربي،إذ كان النادي ينشط من خلال المحاضرات والفعاليات الثقافية والتي من خلالها يتم البحث عن أعضاء جدد لهم ملامح قادة مستقبليين،لم يكن النادي فعلا في الكويت فحسب بل لعب دورا فعلا في منطقة الخليج العربي واليمن،وبالتالي لم يكن الطفاريين بعيدين عن مجال إشعاع النادي ،خاصة وان ظفار كما ذكرت سابقا تعيش حياة العصور الحجرية ومن الطبيعي أن تكون لتلك المحاضرات والأجواء القومية أثراء لدى بعض الشباب الظفاري، وفي سنة 1964 قرر فرع الخليج والجزيرة العربية لحركة القوميين العرب في الكويت، التحضير لشن الكفاح المسلح في منطقة ظفار بالتحالف مع تنظيمين يعدان لذلك هما: الجمعية الخيرية الظفارية وتنظيم الجنود الظفاريين وقد تم اختيار ظفار لعدة اعتبارات متكاملة من أهمها: ظفارية معظم الكوادر العمانية الحركية، وطبيعة ظفار الجبلية الملائمة لحرب العصابات – على غرار الثورة الكوبية- ، واستثمار العداء القبلي الظفاري التقليدي للسلطة.

لا أدري لمن هذه المقولة التي تقول: ( الثورات يخطط لها العقلاء ويستشهد فيها الشجعان ويستلمها الجبناء) أليست هذه المقولة تنطبق على معظم الحركات الثورية في البلاد العربية؟.
لا أظن أن الأمة أحوج إلى القومية أكثر منها الآن، خاصة في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة العربية، بعد أن تكالب عليها الأعداء، والحاقدين حتى وإن كانوا يدينون بدين واحد.
الرحمة لمن قدم روحه لهذه الأمة والحرية لكل أسير عربي في سجون الاحتلالين الصهيوني والأمريكي.

Tuesday, March 11, 2008

عاشق فلسطين.. الحكيم جورج حبش


أبو علي حسن

قبل أربعين يوماً.. كنا في وداع عاشق فلسطين، كل فلسطين، رحل الحكيم وظلت روحه معلقة بحبه الأول.. رحل ولم تمنعه سنواته الثمانون من أن يبقى مراهقاً، ومتيماً في هواها، وراكضاً وراءها صباح مساء، باحثاً عنها في الصحف وشاشات الأخبار، مستمعاً لأحوالها من أفواه العاشقين مثله رجالاً ونساءً، سائلاً عنها ليل نهار دون ملل أو نسيان، ناصحاً رفاقه: «إياكم بأن تسلموا بضياع فلسطين المعشوقة»، وموصياً أبناء وطنه وعروبته بأن يبحثوا عنها في كل الزوايا والدروب، بخيولهم وسيوفهم ولا يسقطوها من وعيهم.. مطالباً بأن يطاردوا مغتصبيها حتى استعادتها إلى أحضان أهلها وقريتها العربية.رحل الحكيم ـ جورج حبش ـ وهو يبحث عن وطن ضائع، وما أجمل الوطن عنده.. واسم وطنه ولا كل الأسماء، طوبى لغسان كنفاني، طوبى لفنان عاشق مثله جعل من كلمة فلسطين لوحة شعرية حية تنبض بالحياة، نقش وزخْرَف الاسم فصارت على الأوراق وفي القلوب، وأضحت أيقونة في صدر كل بيت تنبض حيوية، وتنطق شعراً، وتشع نوراً، وتُسمع آذان مساجدها ، وتصدح أجراس العودة من كنائسها، وربيعها يفرش على مروجها شقائق النعمان، وينثر على سهولها عطر الياسمين.. آه يا حكيم ومن لا يعشق هذا الجمال الذي جسده غسان كنفاني بريشته ورقة قلبه، هذا الجمال الذي أخذ القلوب وسلب المهج، لقد رأيتك مراراً تبكي فلسطين أمام كل من حدثك عنها.. آه ما أصعب الرجال العظام وهم يبكون، وما أصدق العشاق حينما يبكون.رحل القائد الاستراتيجي، الزاهد في «التكتيك والبراغماتية» البعيد عن «البروباغندا» والهارب من السياسة اللفظية والإعلامية، وفلاشات التصوير، لم تخدعه الحياة بزخرفتها وزيف بريقها، وهو القائد صاحب (الكاريزما) القوية والشخصية القادرة بالمظهر والأداء والقدرات، كي يكون عنوان الحدث وفي صدر الصورة، لكنه كان ممتلئاً بذاته كقائد وطني استراتيجي، مؤمناً بممارسة القيادة السياسية من المواقع الوطنية، والقومية، والأخلاقية، ولم تكن لديه (أنا) متورمة باحثة عن غرائزها وأهوائها.. بقدر ما كانت الأنا عنده قوة إرادة، وموقف عز في الحياة، وصدق كلمة، وذات حرة أبيّة.رحل الحكيم، بهدوء الحكماء والعقلاء كما في حياته، تاركاً وراءه سمعة وطنية وقومية، وكفاحية، وأخلاقية، قلـّما يختلف عليها أحد من رفاقه، وأصدقائه وخصومه، فودعه شعبه في الوطن والشتات بما يستحق من التكريم والتبجيل، والاعتراف بدور الرجل ومناقبه وسجاياه.رحل الرجل، وهو يملك من الحلم والحماس والآراء كما لو أنه لا زال في العشرينيات من عمره.. لقد أجهده المرض جسداً، ولكنه لم يجهده وعياً وعقلاً وذاكرةً وحماسة، فقد ظل يتحلى بروح القائد المؤتمن على قضية شعبه، والمتحمل للمسؤولية الوطنية حتى آخر لحظات حياته، فلم يستطع اليأس أن يغافله ويدخل خلسة إلى وعيه ولو للحظة واحدة، فلا سنوات عمره الثمانين قد هيأت المجال لفتور عزيمته، ولا شعوره بالمرض قد كسر عنفوانه وإرادته، ولا الحالة الفلسطينية المريضة قد جعلته ييأس من السؤال والمتابعة وإبداء الرأي والنصيحة.. لقد كان يمتلك من الإرادة ما يقهر كل أسباب العجز واليأس والانطواء في ضوء الحالة الفلسطينية والعربية التي تلفنا بسوادها وحبالها.رحل الرجل، وهو في غاية التأثر والاستياء من حالة الانقسام الفلسطينية التي لم تشهدها الساحة الفلسطينية من قبل، وفي ظل ظروف سياسية وعربية غاية في التعقيد، ومسرح الأحداث العربية يعود بنا إلى القهقرى. كان دائم السؤال في الفترة الأخيرة ومتابعاً لأدق التفاصيل، محاولاً أن يرى بقعة ضوء ولو من بعيد في الزمن العربي القادم. ولا عجب في ذلك، حتى غرفة الإنعاش، وكمامة الأكسجين، وأوامر الأطباء.. لم تمنعه في اللحظات الأخيرة من أن يسأل عن أوضاع غزة، وحين يجيبه أحد الرفاق بأن الحدود الفلسطينية المصرية / معبر رفح اقتحمها الفلسطينيون الثائرون، تنفرج أساريره ويتدفق تفاؤله قائلاً: «سيأتي يوماً تقتحم فيه كل الحدود العربية ـ العربية».لقد ظل جورج حبش متمسكاً بمواقفه الوطنية والقومية، ولم يتبدل، ولم يتغير، ولم يلـّبس الأمر عليه تحت خداع بعض الصور والسيناريوهات أو الوعود، فقد كان واضحاً وشفافاً في مواقفه السياسية، متشبثاً بعناد بكل الأهداف والثوابت الوطنية والقومية التي آمن بها، وعمل من أجلها، ولم يقبل الواقعية كمفهوم يغطي به مسارات السقوط والتنازل وضرب الحقوق.. بيد أنه فهم الواقعية على نحو ٍ ثوري، يعي تماماً وعورة طريقها ودهاليزها كطريق يجتاز بها صعوبات المرحلة، واتقاء المخاطر.. وقد قالها مبكراً في أول منعطفات الثورة الفلسطينية السياسة «ليس للتكتيك أن ينتهك الإستراتيجيا» مستشرفاً خطورة استعمال واستثمار «الواقعية»، والتكتيك كسياسة تنازلية تنزل بالمنحى الثوري إلى مواقع الفشل والانكسار. لم يقبل على نفسه يوماً أن يكون إصلاحياً، أو أن تتحول الثورة الفلسطينية إلى جملة مطالب اقتصادية، أو معيشية أو سياسية اجتماعية، إنما أراد أن يبقى ثورياً، وحالماً، وأراد للثورة أن تبقى أداة تحرير وصراع لا يتوقف إلا عند استئصال السرطان الصهيوني من فلسطين.كان يدرك مبكراً حجم المخاطر والمؤامرات التي يمكن أن تتعرض لها القضية الفلسطينية، وكان يدرك خطورة المس بالحقوق الوطنية والثابتة والشرعية والعادلة للشعب الفلسطيني منذ مطلع وبدايات الثورة الفلسطينية، الأمر الذي حفزه دائماً على إطلاق التحذير، وصيحات الغضب، والنصح بعدم التقاطع مع المسارات السياسية الإقليمية والدولية لمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي كما لو أنه صراع حدود.. مدركاً أن هذه المحاولات والمسارات في جوهرها ليس إلا فعلاً وممارسة لإفراغ الثورة الفلسطينية من محتواها الوطني، وإفراغ م.ت.ف من محتواها التحرري، وتقزيم الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتجزئتها على درب التهامها كاملة.. هكذا كان يفكر الحكيم.. وقالها: «لن يقبلوا كل تنازلاتنا حتى لو خلعنا كل ملابسنا».كان متيقناً من أن انحرافاً سياسياً يتأصل في الساحة الفلسطينية يسري في الثورة الفلسطينية على المستوى القيادي ببطء وتدرج، سيترك بصماته في كل مرحلة.. وبدا عند البعض أنه حالم، ثوري، أو مبشر، والبعض اتهمه بالعدمية..!! بيد أن الواقع الفلسطيني اليوم وتضاريسه السياسية، والجغرافية، والاجتماعية تشي بقدْر ٍ عال من الوضوح على صحة رؤية الرجل، وصحة ما حذر منه على مدار عقود من الزمن.. وها نحن اليوم وبعد أن دخلت الثورة الفلسطينية مربع التسوية وخط المساومات، أمام حصاد فيه جبلٌ من الأوهام.. سلطة فلسطينية وهمية طفيلية لا زالت تحت الاحتلال لم يعرف التاريخ السياسي شبيهاً لها.. وقبل أن يغادر الرجل دنياه رأى وشاهد كيف تشظت هذه السلطة على نفسها مخلفة وراءها شظايا حقوق الشعب الفلسطيني مبعثرة لا يجمعها جامع، ودخان كثيف يغطي مساحة الرؤية الواضحة التي كان الحكيم يرى من خلالها طريق الخلاص.كان الحكيم وحدوياً، منادياً بالوحدة، وتقوية المؤسسات الوطنية، وبناء م.ت.ف بناءً مؤسساتياً على أسس سياسية، وديمقراطية سليمة، محارباً الفردية والاستئثار في اتخاذ القرارات وتعريض الثورة لنزعات ورغبات وانحرافات البعض.. لكنه في الوقت ذاته كان يعي أن سلاح الوحدة ذو حدين في بعض المنعطفات، فالبعض استخدم الوحدة غطاءً لمواقف وسياسات، وتوجهات، مما دفع الحكيم إلى استخدام الصوت العالي والقاسي أحياناً سلاحاً إلى الحد الذي يبدو أنه يهدد الوحدة الوطنية.. لكنه لا يلبث أن يجعل من الوحدة الوطنية درعاً واقياً في مواجهة الخطر الأساس، وفي مواجهة استهداف كيان المنظمة كإطار ومحتوى. ولم يفقد البوصلة في موضوع معالجة التناقضات الداخلية، مدركاً متى يجب الإسراع في إقامتها وتقويتها حتى ولو على حساب قناعاته وخطه السياسي.. ومتى يكون الخط السياسي والقرار الوطني أهم من الوحدة الشكلية،أو الوحدة التي تستخدم لتمرير بعض السياسات والإملاءات.كان يرفض منطق الاقتتال الداخلي حتى ولو توفرت كل مسبباته، وآمن بالحوار الديمقراطي سبيلاً لحل الخلافات الداخلية في الساحة الفلسطينية، ويرفض الاحتكام إلى السلاح في حسم الخلافات على مستوى الثورة، أو الفصيل الواحد، وكان يؤمن بالطلاق الديمقراطي في حال استفحلت الأمور.. وهكذا تعامل مع كل انشقاقات الجبهة الشعبية.. ومن سخريات القدر أن يعيش الحكيم إلى اليوم الذي يرى فيه ويشاهد قبل رحيله كيف تتهاوى الوحدة الوطنية الفلسطينية على وقع نزف الدم الفلسطيني ووقع الرصاص الفلسطيني، وكيف يتجسد الانقسام الفلسطيني في أبشع صوره على المستوى السياسي، والجغرافي، والاجتماعي، والثقافي.إن من يعشق وطن.. لا يمكن أن يستسهل قتل أبنائه..؟! وأنت يا حكيم العاشق دوماً.. لم يهن عليك يوماً رؤية الدم الفلسطيني يُراق على يد طلاب السلطة الوهمية.

في أربعين المناضل جورج حبش «الحكيـم».. قـام.. حقـاً قـام


خالد حدادة
في عمر لم يتجاوز الرابعة عشرة، وكنت قد بدأت بدفق عاطفي، فاقمه رحيل كبير أحببت فيه نفسي حتى الثمالة، هو جمال عبد الناصر، الذي كان الانتماء اليه في بيئتنا انتماء بالدم، وربما بتعبير العصر الحديث الجينات... وكنت قد بدأت أقرأ لجاري الأمي الصحف التي يشتريها هو ليقرأ له جاره الفتى (الذي هو أنا) تصريحات كمال جنبلاط، الذي انتميت له أيضاً يافعاً، بدأت أقرأ أسماء لم أكن أسمع بها في تلك العلبة الناطقة في بيتنا... لم تكن أسماء رؤساء ولا وزراء ولا هي أسماء مغنين وفنانين عرباً كانوا أم أجانب. في تلك الصحف وبحس فطري في اتجاه القراءة ولو «المسروقة» من صحيفة الجار الذي كان يكتفي بتصريحات المعلم كمال جنبلاط، بدأت أقرأ أسماء لم تكن تنتمي إلى بيئتنا التقليدية، منها اسم واحد لمسميين اثنين: «جورج». جورج حبش وجورج حاوي. ما لفتني في جورج الثاني أنه كان يحمل، باسم حزبه، لبنان إلى أفق عربي على صفحات أوراق يحشر فيها الانتماء القومي في الحديث عن الفقراء. كان التساؤل عندي وعند الشباب اللبناني العربي حينها لماذا الفقراء فقط عند الحديث عن العروبة، ومن هم هؤلاء في الحزب الشيوعي اللبناني، أليسوا سفارة الاتحاد السوفياتي في لبنان؟ وذلك الآخر، الجورج الآخر، يتحدث غالباً عن فلسطين وعن العروبة، فما باله اليوم يميل الى كلمات يرددها عادة الأول عن الطبقات والكادحين العرب والفلسطينيين وعملية التحرير والدولة الديموقراطية والعادلة الخ... ومع ترقي المطالعة من صحف «أبو سعد الدين» إلى كتب النادي في الضيعة (برجا) الى النقاشات مع الشباب في الثانوية، بدأت أتلمس خطورة وأهمية التقاطع بين هذين النهجين: اليساري الشيوعي المحتج على اعتباره جالية أجنبية، وهو النهج الذي انخرط منذ بدايات القرن الماضي في مقارعة الاستعمار الأجنبي وقوى الاستغلال المحلي وبين الآخر المتجه مع فكره القومي للانحياز لفكرة أن الاستقلال والعروبة هي بالأساس مصلحة الفقراء في التنمية والعدالة الاجتماعية والتحرير. وهكذا كان انتسابي إلى الحزب الشيوعي اللبناني في حقيقته إعلاناً للانتساب الى هذا الفكر المشترك. التقاطع الخلاق بين الانتماء لمصلحة الكادحين والفقراء ومصلحة الشعب في التنمية الديموقراطية وبين ضرورات وفكرة التحرير الوطني بما هي تحرير للأرض وللثروات والقرار السياسي. اليوم أراني في الظرف العربي الراهن، بحاجة الى «إعادة انتساب»، أو إعادة قراءة للوضع السياسي العربي وحالته الراهنة وإعادة انتساب الى فكر أولئك الثوريين الذين أضافوا الى جمال غيفارا صورته وسمرته العربية. اليوم نرانا وقد رحل «الحكيم» بحاجة الى استعادة متنورة لمنطق رفض البديهيات التي تحكم العقل العربي اليوم. منطق رفض الخضوع باسم «الواقعية»، وذلك لإعطاء بعد جديد لواقعية ثورية تفهم البديهيات ولا تقع تحت سيطرتها. كيف لا، وأنا انتظرت سنوات طوالاً، لأحقق أحد أحلامي الصغيرة، بلقاء ذاك الكبير، بعد أن كنت قد حققت حلماً صغيراً آخر بلقاء «سميه» جورج حاوي. إلتقيت بـ«الحكيم» وكان قد أصبح «القائد المؤسس» ولم يعد في موقع «الأمين العام» الذي تركه بخياره وبحسه الديموقراطي في التنظيم. نعم هذا «الإرهابي» الذي كان ديموقراطياً نقيضاً «للديموقراطيين» الذين ملأوا وطننا العربي بالدماء والإرهاب من العراق الى فلسطين الى لبنان. إلتقيت «الحكيم» أو «القائد المؤسس» مرات عدة مذ ذاك وكنت أصبحت أميناً عاماً.. و«للكيمياء» شؤون. وبسرعة لم يعد يترك «الحكيم» مناسبة إلاّ ويبرق فيها «صفحات عدة» للحزب الشيوعي اللبناني. ولم يترك رفاقه «الماكرون» في الشام أو في لبنان مناسبة للجبهة الشعبية إلاّ ويبلغوني باسم جورج حبش رغبته بأن أكون حاضراً وكنت أقبل بعد تردد مصطنع مشترطاً لقاءه، ولم يعرفوا أنني كنت أنتظر هذه المناسبات. [[[ في سنواته الأخيرة التي لم يأخذ منها ساعات قليلة من الراحة، شغله كما في بداياته، هم البحث عن رد على «البديهيات المربكة» لليسار أو لبعضه. للثورة أو لبعضها. ما الذي جرى؟ كان جوابنا على النكسة إعلان المقاومة ووحدتها وتنوعها. كان جوابنا عليها تلك العلاقة الجدلية ما بين القرار الوطني الفلسطيني المستقل والتكامل مع الشعوب والحركات التقدمية والقومية العربية. لاقينا «لاءات» الخرطوم التي أبدعها عبد الناصر، بإعلان فعل المقاومة وإعادة الاعتبار في العالم لحق الشعب الفلسطيني وبلورة قضيته. كيف نرد اليوم على البديهيات التي يحاول الأميركي فرضها علينا، بمشروع الشرق الأوسط الجديد كي يفرض علينا خياراً مراً ما بين الخضوع لسيطرته وجبروته وإرهابه أو الخضوع لخيار الظلامية التي تلاقيه الى منتصف الطريق، أو الالتحاق بركب الأنظمة العربية وقمعها وفسادها وتسلطها ملوكاً وأمراء ورؤساء. بديهة رماها بوش وتلقفها بعض «العرب» ومنهم للأسف عبدة البديهيات، الماركسية سابقاً عندما حفظوا «آياتها» وكانوا بطاركتها... والمفتين والديمقراطية اليوم عندما بدأوا بتعلمها بعيداً عن عمر «النقش بالحجر». عليكم ان تختاروا ما بين بوش وبن لادن أو بينهما وبين استمرار الأنظمة العربية والنظام الرسمي العربي. كان الرد الثوري لجورج حبش عبر مركز أبحاثه المتواضع «الغد». رفض هذه الخيارات بالإحساس والبداهة والدعوة لبلورتها بالأبحاث والحوار والعلم وترك الجمود مع التمسك بالمبادئ بما هي حقوق، وليس مسلمات. حسه الذي دفعه لتأسيس الجبهة الشعبية في أواخر الستينيات كان مدعوماً بعلم يقول التفاوض مع الضعف تسليم بالهزيمة. ودفعه بعد الانهيارات الكبرى للقول إن القبول بالبديهيات في عصر الهزائم هو تخل عن القضية والذات والمبادئ. انتصر «الحكيم» لفكرة لبنان بمقاومته وبتحالفه التموزي الرائع بين المقاومة والشعب، ففرح كطفل وهذا الشعور بالثقة والفرح عنده منع الحزن الذي رافق رحيله مع حصار غزة «الإسرائيلي ـ العربي» وكان له من غزة ما أراد عندما اقتحم نساؤها وأطفالها المعابر المصطنعة خصوصاً بينها وبين مصر عبد الناصر. في الأربعين لرحيل الحكيم، القائد المؤسس، عاد الصراع بخلفياته الثلاث الوطنية، الاجتماعية والسياسية الديمقراطية ليأخذ أبعاده باتجاه بلورة حركة مقاومة تحمل مشروعاً للتغيير في العالم العربي. مشروعاً يقدم حلاً للقضية الوطنية وللتنمية والعدالة الاجتماعية وللبنى والمؤسسات الديموقراطية على المستوى العربي العام وفي كل دولة عربية، مقاومة غير فئوية، مقاومة لا تحدها الإيديولوجيا بل تتفاعل معها الإيديولوجيات بما تعنيه من تمسك بالحقوق والمبادئ. مقاومة ترفض الانتماء للطبالين العراة للراقصة «كوندي» الآتية على متن المدمرة «كول»، ناشرة الموت والإرهاب. معلنين أن هذا الساحل سيبقى كما أراده فرج الله الحلو وجورج حاوي وكمال جنبلاط كما جمال عبد الناصر وجورج حبش وياسر عرفات وأحمد ياسين (ذكرنا من رحل) أرادوه منبتاً لحركة عربية مقاومة وديموقراطية وليس ساحلاً يرقص فيه طرباً من لم يعد يحتمل حتى ورقة التين. [[[ في أربعينه، نقول «الحكيم» قام.. حقاً قام. أليس فعل القيامة ما قام به الشهيد علاء رداً على مجازر غزة؟ فلننتظر رفاق وأخوة «علاء» وليس قمماً يلتئم فيها من لم يعد يملك حتى سيفاً. لأن تلك السيوف أصبحت في البيت الأبيض تقبع فوق أموال وثروات أمتنا وشعوبنا.. في خزانة الإدارة الأميركية وخزانة إسرائيل.

عدد خاص عن الحكيم في مجلة الهدف

Monday, March 10, 2008

ليسَ وداعاً يا حكيمْ..


أيمن اللبدي

يا لفلسطينَ...
يا لفلسطينْ...
بينَ الألمِ والألمِ جرعةُ ألم ، وبينَ الوجعِ والوجعِ محطةُ وجع ، وبينَ الحزنِ والحزنِ موعدُ حزنْ...
هل نسابقُها أم تسابقُنا الفجيعةْ..؟
لا نكادُ نسلو جراحاً حتى تفاجئنا الجراحْ ...
هكذا أيامُها، وهكذا أيامُنا...
بالأمسِ شيَّعنا صليبنا التشرينيّ، واليومَ نشيِّعُ هلالنا الكانونيّ ، وبينهما بكينا عدة الشّهور...
هل ترمزُ هذه الإشاراتُ في الفقدانِ لمعنىً آخرْ...!
قيامةُ صليبِ فلسطينَ الشهيدِ الختيارِ من كانون إلى تشرينْ...
وقيامةُ هلالِ فلسطينَ الشهيدِ الحكيمِ من تشرينَ إلى كانونْ...
أيةُ تفاصيلَ قد تبقى، وأيُّ دلالاتٍ لم نستكشفها بعدُ ...
بالأمسِ القائدُ الرمزُ، واليومَ القائدُ الرسمُ ...
وبينهما شواهدُ طريقِ آلامنا...
ويسئلونكَ عن الأهلّةِ قل هيَ مواقيتُ الوحدةِ وعنوانُ الضميرْ...
صباحٌ حزين يا حكيمْ...
صباحٌ حزينٌ يا فلسطينْ...
**
اسمٌ من اسماءِ فلسطينْ...
وزاوية الوحدةِ العليا العاليةْ ، هذا ما قاله رفاقُ الدربِ وأخوةُ الترابِ والروحْ...
المعلِّمُ الذي كتبَ على نفسهِ الانحيازَ لحروفها الستة ، لا يفرِّق بينَ حرفٍ وحرفْ...
الضميرُ الذي كرَّس َ حياتهُ لبوصلةِ الطريقِ ، لا يقسِّمُ ولا يصنِّفُ بينَ نزفٍ ونزفْ...
النبيلُ الفارسُ الذي تقدَّمَ الصفوفَ في بلاغةِ الفداءِ والرجولةِ ، لا بلاغةِ النحوِ والصرفْ...
السنديانة العالية ْ، والزيتونةُ الضاربةِ في جذورِ الأرضِ منذُ مئتينِ وألفْ...
هذا بعضُ ما كنتهُ يا حكيمْ ، فكيفَ نجدُ طريقاً نختصرُ بها الصفاتْ...؟
لا أملكُ إلا واحدةً فقط، واحدةًهي لك ، أنت شامة فلسطين ْ...
شامةُ فلسطين أيها المعلمْ...
**
أهيَ المصادفةُ أم قد اخترتها أنتْ... ؟!
في هذا الموعدِ بالضبطِ ، وعينكَ على نحرِ الخيمةِ منَ الوريدِ إلى الوريدْ ...
في هذه الساعاتِ بالضبطِ، وقلبكَ على اختطافِ الخارطةِ وهروبِ الغيماتْ...
في هذه الساعةِ بالضبط، وروحُكَ معَ اضطرابِ القافلةِ بينَ غنائمَ زائفةٍ وغنمٍ شاردةْ...
أنبئنا يا حكيمْ...
وهل غيرُك من ضميرٍ قد ادَّخرناهُ على طولِ الطريقْ...!
وهل ينبؤكَ مثلُ ضميرْ ؟
لم تخفِ عنا يوماً سرّاً ولا علناً...
ولا تسلَّحتَ علينا بسفرِ أرضٍ ولا سفرِ سماءْ...
ولا كفّرتنا أولَ الليلِ ، ولا خوّنتنا آخرَ النّهار ، ولا شمتَ بنا في ضرآء...
كنتَ الدروسَ لكلِّ أطفالِ الدينِ والدنيا ، ومراهقي السياسةِ والوطنيةَ ، كنت الكبيرَ الكبيرْ...
كنّا إذا أخطأنا ننتظرُ صوتكَ العادلَ النبيَّ النقيَّ فينا ، وكأنا كنا مثلَ الذينَ يحبونَ أن يَسْمعوا فيحيدوا لِيُزجروا ويُنصحوا ويُأخذوا عندَ تصحيحهم أو توضيحهمْ بالأحضانِ النبيلةْ...
لم تكن أنتَ للرفاقِ وحدَهم ، كنتَ أنتَ كما كلّ مرّة ٍلكلِّ فلسطينيٍّ ولكلِّ فلسطينْ ...
لا تصمت الآن يا حكيمْ ...لا تصمتِ الآنَ يا حكيمْ ...
**
أبا الميساءْ
أكثرُ الدموعِ في قلوبِ الفقراءِ وعيونِ المخيّمْ...
أكثرُ البكاءِ منَ الماءِ للماءِ يا صوتَ القوميةِ المحصّنِ والمعظَّمْ...
أكثرُ الأسى في عروقِ الرِّفاقِ من الطينةِ السمراءِ إلى الطينةِ الحمراءْ...
أكبرُ الفجيعةِ في فلسطينْ...
علّمتنا كيفَ يكونُ الاختلافُ في ساحةِ البيتْ ...
وفي نفسِ الوقتِ علّمتنا أن لا بيتَ إلا البيتْ...
وعلّمتنا كيفَ نديرُ الخلافَ فنصيِّرهُ هامشاً أصغرْ...
وعلّمتنا أن العدوَ ينتظرُ فرصةً ،ملعونٌ من يعطيها لهُ في كلِّ محضرْ...
وعلَّمتنا أنكَ خصمُ البندقيةِ التي إلى صدرِ فلسطينيٍّ توجَّهُ مهما كانَ العذرُ والمعذرْ...
وعلَّمتنا كيفَ نكونُ تلامذةَ الجماهيرِ ولا ندّعي أننا الأكبرْ...
وليتكَ صبرتَ علينا اليومَ أكثرْ...
**
مثلُكَ لا يغادرُنا ...
مثلكَ لا يفارقُنا...
مثلكَ لا نبكيهِ إلا لنستعيدَهُ ونقومَ معهْ ...
مثلكَ زمنٌ يمضي لكيْ نستعيدَهُ في الحاضرِ والمستقبلْ ...
مثلكَ لا نقولُ لهُ وداعاً ، بل نقولُ لهُ معنا وإن طال المسيرْ ...
مثلكَ لا يحتسبُ خارجَ النِّصابِ وهوَ مشروعيةُ النِّصابْ...
مثلُكَ يُستقبلُ مرتين: مرّةً لفلسطينْ ، ومرَّةً للفلسطينيةِ في الإنسانيةِ والخلقِ والطهارةِ ترجحُ كلَّ الموازينْ ...
مثلكَ يا رفيقُ لا تتوانى عن فردِ أجنحتها لهُ العلياءُ والبطولةْ...
مثلكَ يا رفيقُ لا يموتْ...
لا يموتُ..لا يموتُ يا حكيمْ...

وداعاً أيها القائد التاريخي الاستثنائي.. يا ضمير الأمة



ناصر كفارنة

لن أبكيك أو أرثيك يا حكيم الثورة وفلسطين والأمة , لقد كنت قائداً استثنائياً وتاريخاُ بامتياز وباعتراف العدو قبل الصديق ،و كنت عنواناً، رافضا اللجوء و مسكوناً بهاجس وحق العودة، إلي الأرض والوطن , إن جرأتك وصلابتك وثباتك من الصعب ان يتمتع انسان غيرك لأنك كنت مؤمنا بحزبك وثورتك ومبادئك ولم تستطع كل قوي الظلم والعدوان أن تثنيك عن هذا إيمان الراسخ والمتجذر فيك كما الزيتون في أرض القدس واللد ،سيبقى اسمك وتاريخك محفورين في ذاكرة ووجدان هذا الشعب وهذه الأمة بل وفي وجدان أحرار كل العالم وستبقي مثلا وملهما وأباً كما كنت رغبا لنا جميعا ولكل أجيال حزبك وشعبك وأمتك.
إن غزة وفلسطين والأمة تفقد اليوم قائدا بقي حتى اللحظات والأنفاس الأخيرة من عمري مشدودا لهم جميعا ويعمل ما يستطيع من اجلهم , أن سؤاله الأخير كان غزة وما يجري فيها ولكن لق استشهد وهو مطمئنا بان الجموع الغزية استطاعت أن تكسر الحصار والسجن الكبير وتتفتح معبر رفح وتنطلق إلي فضاء الحرية علي الرغم صغر مساحتها وبهذا استشهد الحكيم وهو مطمئنا بأن حزبه وشعبه عازماً علي مواصلة المسيرة حتى يعود الوطن ويعود اللاجئين إلي ديارهم ويعود كل أبناء الحكيم وأحفاده إلي يافا وعكا والجليل واللد وعسقلان لينعموا بحق العودة ولينعموا بخيرات أرضهم التي قضي علي دربها ومن اجل استعادتها عشرات ومئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
إن هذا القائد لم يعرف الاستكانة ولا المهادنة ولا المجاملة في الحقوق والثوابت والمبادئ، وهذا الذي جعل من رأس حزبنا وجبهتنا مطلوبا، ومطارداً في أكثر من عاصمة ودولة عربية وأجنبية.
إن الشهيد القائد جورج حبش تمتع بسجايا ومزايا وتجربة إنسانية وثورية ونضالية وكفاحية،هي مدرسة بكل ما تحمل الكلمة من معني فلذلك علينا وكل أجيالنا القادمة أن نعكف على دراستها ونسير علي خطاها لكي نستطيع ان نفي هذا القائد حقه ونستمر علي دربه حتى نحقق الأهداف التي قضي حياته من أجلها، إن هذا القائد لهو من طراز استثنائي واستطاع أن يجمع بين القومية العربية والأممية وكل التراث الإنساني،وآمن بأن لا تناقض بين الوطني و القومي والأممي، وكان من أشد القادة معارضاً لتأليه ما هو فكر هو من نتاج المفكرين ومها كانوا عظام ومن طراز خاص ولذلك رفض الالتزام الاعمي بالنظرية، أو بنسخ الفكر والتجارب وإسقاطها على الواقع المتغير والمتجدد ، وكان مؤمناً بأن نجاح الثورة و الفكر الاشتراكي العلمي في العالم العربي والعالم ، بحاجة إلى إعادة إنتاج النظرية لتتلاءم مع الظروف الواقع الذي نعيش.
إن هذا القائد الشهيد العظيم كان حكيماً في ذروة الأزمات والخلافات الفلسطيني أم العرب وكان واضحاً وحازماً،بأن الدم الفلسطيني خط أحمر، والجبهة لم و لن تسجل لا في سجلها وتاريخها ولا مستقبلها ،أنها شاركت أو ستشارك في إراقة نقطة دم من الدم الفلسطيني المقدس ، وقال مجرم كل من يشارك في إراقة الدم الفلسطيني أو يغذيه ، ويستحق الإدانة والتجريم والمحاسبة والمحاكمة أمام محاكم الشعب ،وأيضاً فهو لم يأبه بالجغرافيا ويجعلها عائقاً،أمام توجيه النقد والإدانة إلى كل من يحاول شق وحدتنا الوطنية و شق وحدة الصف ، أو دفع الساحة الفلسطينية إلى الاقتتال الفلسطينية ،ورغم الضغوط الهائلة التي كانت تمارس على الجبهة الشعبية من البعض من اجل شق وحدة الصف، وتشكيل بدائل ومرجعيات ، إلا أن القائد الراحل الحكيم ومعه كل الحزب والجبهة ،كانوا يرفضوا ذلك بشدة.
إن هذا الحكيم رفض دوما الإقدام علي أي خطوة من شأنها أن تعمق الانقسام على الساحتين الفلسطينية والعربية، ويساهم في تبديد مكتسبات ومنجزات شعبنا وثورتنا الفلسطينية المعاصرة ، ويساهم في تدمير المشروع الوطني القومي والتقدمي ، ولذلك كان يندفع دوما للعمل علي تجاوز كل أشكال الخلاف والانقسام من اجل الوطن والشعب والقضية وكانت دوما علي حساب الجبهة الشعبية.
إن الرفيق الشهيد القائد العظيم بنى وأسس حركة القوميين العرب في الخمسينات من القرن الماضي ومن بعدها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكان أول أميناً عامًا لهما ، ولم يتطلع إلي مجد ذاتي أو شخصي ولم ينظر إلى ذلك كغيره إلي ذلك باعتباره مزرعة أو ارث شخصي وعائلي، كما هو حال العديد من الأحزاب العربية الرسمية وغير الرسمية ، بل وحتى المسماة بالديمقراطية والتقدمية، فهو بنى حزباً ثورياً رسخ فيه المبادئ والقيم الثورية، حزباً تخلى طواعية وديمقراطياً عن قيادته لخلفه ورفيق دربه الشهيد القائد الفذ أبو علي مصطفي ، ليس كما يحاول البعض التلميح أو التصريح بأن تخليه كان بسبب المرض الذي أقعده، فالرفيق القائد العظيم الشهيد ، كان بإمكانه أن يستمر على عمله وعلي رأس التنظيم في المؤتمر الوطني السادس تموز/2000، ولكنه أصر على التنحي بشكل طوعي وديمقراطي، واستمر في العطاء والنضال ومواكبة المسيرة الوطنية والحزبية حتي أنفاسه الأخيرة.
لقد تنحي لكونه إنسان وقائداً ومناضلاً يحترم الأصول والقواعد الحزبية، تخلى لرفيق دربه ،رفيق قال "عدنا لنقاوم لا علي الثوابت لنساوم" ودفع حياته ثمناً لهذا لشعار الخالد الذي جسده بالأعمال لا بالأقوال في الانتفاضة الثانية ،انه الشهيد القائد أبوعلي مصطفى، والذي حمل الراية من بعده قائدا ورفيقا استثنائيا ، تعمد بالنضال والكفاح والعطاء، انه الرفيق القائد احمد سعدات، الذي أقسم على الرد علي جريمة اغتيال رفيقه الشهيد القائد أبو علي مصطفى وكان رد رفاقه الذي نفذوا عملية نوعية جريئة بتفصية الوزير المتطرف زئيفي،والذي تنقل ورفاقه بين سجون السلطة المحروسة أمريكياً وبريطانياً ليختطف هو ورفاقه من قبل دولة الكيان ، حيث يقبع الآن في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
إن فقدان الرفيق العظيم والقائد والمؤسس الشهيد جورج حبش، خسارة ليست بالبسيطة فهي لم تكن مؤلمة وقاسية لنا في الجبهة الشعبية ولرفاق الدرب في قوي وفصائل وأحزاب العمل الوطني الفلسطيني، بل خسارة لكل كل القوى التحررية و الثورية والتقدمية عربياً وعالمياً، وعزائنا أن حزبنا و شعبنا وثورتنا ليست بأم عاقر، فالشهيد بنى وأسس حزباً ثورياً من طراز جديد، ممسكاً وقابضاُ على مبادئه كالقابض علي الجمر، وسائراً على منهجه ودربه ومبادئه حزباُ شهدت كل أقبية التحقيق والزنازين الفاشية والقمعية الإسرائيلية لأعضائه وقياداته بالصمود الأسطوري ، ولم ولن يتنازل عن الثوابت والمبادئ والحقوق ، ولم يساهم أو يشارك في شق الساحة الفلسطينية من اجل مصالح ومكاسب فئوية وذاتية على حساب مصالح الوطن والشعب والقضية.
وداعا أيها القائد العظيم
نعدك ونقسم بكل مقدسات البشر ان تبقي الراية مرفوعة حتى تحقيق كل الأهداف التي ناضلت من اجلها.

الحكيم إن غاب.. إلى الرمز المستقّر.. جورج حبش


عبد السلام العطاري

الحكيم إن غاب... تتوارى فلسطين خلف الكون عام من الحزن .. أعوام من البكاء.. وتجهش الحناجر بصوتها الرخيم تنادي بنبرتها الحكيم، وتعلن نساء الريف حدادهن عن الحصاد، ونساء اللدّ ينظرن السماء ..هنا برق شتاء عاصف .. هنا سيمرّ نبضه .. روحه هنا ... يقفل المعول على غلة المواسم وتنوح البيادر بلطمة تنعف المساء بوجه القمر إن لاح. هذا الحكيم .. هذا شعب كله.. هذا الجموع إن غضبت.. هذا الجوع إن تمرد هذا الكفاح إن انتفض. هذا الحكيم إن علا صوته خشع الصراخ ونامت الظباء واستراحت القبائل من ثاراتها .. هذا الحكيم إن غاب .. غاب الكون لعام لأعوام والتاريخ هدّه الزمن المرّ بفجيعته المرّة بحزنه المقيم .. هنا سيقيم الحزن طويلاً ... هنا سيقيم السواد في ناغرة النهار والشمس تلم ضفائرها وتنعس على جبهته الحمراء .. إن غاب الحكيم .. يعود فجره من جديد.

Sunday, March 9, 2008

لا تطفئوا الشموع


سوسن البرغوتي

ارتقى الحكيم نجمةً تحملّه صلابة التمسّك بالقيم النضالية الشريفة المخلصة،
وتصعد بروحه الطيبة إلى العلياء متألقاً بعطائه النضالي، مدرسة ومنارة.
كان حتى الرمق الأخير متمسكاً بصمود شعبه وحقه بوطنه، لم يتخاذل، ولم ينحرف، كانت فلسطين بوصلته في كل وقت، وعشقه لأرضها أقدس صحائف إيمانه.
كثيراً ما تباينت الآراء بين المعلم وتلاميذه، ودائماً كان الحوار خيره الأول لأجل فلسطين، حريصاً على مسيرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من أن تشوبها شائبة، أو يعكر صفو نبعها إسقاطات ليست من صلب مبادئها الوطنية.
أملنا كبير بمن سيخلف المعلم جورج حبش، أن يعيد الأمور إلى موازينها الصحيحة، وإلى الخط النضالي الصلب للجبهة الشعبية، مهما حاولت بعض وجوه شاهت فاحتمت بعراها، وخرجت عن سربها غير مأسوف عليها. ويبقى عشمنا بالحسم في المواقف، وكما تعلمنا في مدرسته، أن لا نقبل بأنصاف الحلول.
عزاؤنا أن الحكيم لم يحنِ قامته، ولم تضعف همته حتى في أشد المحن التي أصابت مسيرة القضية الفلسطينية. ولأنه رحل كما بدأ ثابتاً في خطاه، رافعاً رأسه بمواكب شهداء رحلوا قبله، خافضاً جناح الرحمة لمن اختلف معه، ستبقى بصمته خفاقة وعلامة ناصعة أبد الدهر.
لن نقول رحل آخر الرجال وآخر القوميين العرب، لأن هناك الكثيرين من أبناء مدرسة القومية العربية، ما زالوا يحملون نبراس مبادئ لن تتبدل أو تتغير ولم تتلون مهما حاول المنحرفون أن يشوهوا طريقها المعبد بالدماء الزكية، ولن يركع أو يستسلم من كان على الدرب نفسه.
رجال العزة سيكملون مسيرة الإباء والنقاء، ومهما كان الاختلاف بينهم، يبقى الوطن هو الأكبر والمرجع والحضن الأمين، وكما علمتنا فالوطن لا يتحرر بنفوس ٍ مستعبدة.
سلاماً لك أيها المعلم..سلامٌ عليك حين وُلدت وحين رحلت وحين تُبعث حياً، وعهدنا أن نتشبث أكثر بتعاليم تعلمناها من صمودك وصدقك ولن نحيد عنها مهما طال ظلام الليل.
فلتبقى الشموع مضاءة، ولتبقى الهمم عالية شامخة، فلا تطفئوا نور الحق.. فهو الباقي لنا يضيء طريق الخلاص والنصر رغم عتمة الليالي.

Thursday, March 6, 2008

إلى الكبير جورج حبش


نجاح واكيم

الأخبار

كنت صغيراً عندما انتقلت أسرتنا إلى مدينة عاليه. هناك تعرّفت، في مَن تعرّفت، إلى أولاد كانوا في مثل عمري. كانوا يشبهون الآخرين في كلّ شيء، إلّا أنّ لهجتهم كانت مختلفة قليلاً. وكانت على وجوههم مسحة شقاء وحزن تشبه الصلاة في صوت أمّي عندما كانت تسكب الصلاة كلّ مساء في نعاسنا، أنا وأخواتي، وحكايات الطفل والمذود والمغارة وصلب المسيح وقيامته. هكذا ارتسمت في عيني فلسطين واللاجئين، واليهود الذين سرقوا فلسطين ويسرقون الأطفال لكي يأخذوا دمهمويبيعوه.«يعيش جمال عبد الناصر»، صدح في مدرستنا صوت فتاة فلسطينية من آل البيبي. وانطلقت، من فلسطين، في الأرض زوابع وثارت براكين. من السويس إلى جبال الأطلس، ومن أدغال الكونغو إلى فلسطينيّة أثناء تشييع رمزيّ لحبش في نابلس (عبد عمر - رويترز) كان أحمد بن بلّا يتحدّث بحيوية وتدفّق عن تلك المرحلة العظيمة، الحميمة إلى القلب والوجدان. وعن الكبار الذين انطبعت أسماؤهم ووجوههم على أعمارنا، من آخر الطفولة إلى مطلع الشباب. ذلك عندما التقيته أول مرة في غرفة متواضعة، تحت الدرج، في أحد أحياءباريس.ـ لكن لماذا انكسرتم؟ قلت.ـ كان علينا أن نعمل الكثير وأن نتعلّم الكثير. كانت تركة الاستعمار ثقيلة على بلداننا وشعوبنا. وكان علينا أيضاً أن نقاتل في معارك متشابكة متواصلة لا تنتهي. أميركا، وهذا النظام العالمي الجائر لم يتركا لنا فرصة لالتقاط الأنفاس. قاتلنا على كلّ الجبهات بشجاعة وشرف وعناد و... تخبّط. عملنا الكثير... وهزّني بن بلّا من كتفي، جمال، جمال عمل الكثير. ثم بدأنا نسقط تباعاً.ـ ومن أجل تجديد حركة التحرر العربية والعالمية، ما العمل؟ سألت.ـ هذا بالضبط ما يجب العمل من أجله. هذا هو السؤال الذي لا بدّ من الإجابة عنه.وفي مرّة تالية التقيته في بيته في أحد أحياء باريس. كان ذلك مساء يوم الأحد في 6 حزيران سنة 1982. كانت الدبّابات الإسرائيليّة قد توغّلت عميقاً في لبنان. حمّلني رسالة إلى جورج حبش، إلى جورج حبش بالذات قال، فهذا الرجل أثق به: إسرائيل ارتكبت غلطة استراتيجية كبرى، غلطة العمر، فلا تنقذوها من غلطتها. لا تخرجوا من بيروت.هنا، في بيروت، بين انفجارات القذائف ودويّ القصف والنيران والحطام، التقيت الحكيم أوّل مرّة في حياتي. نقلت الرسالة. كان الرجل ممزَّقاً بين «أصدقاء وحلفاء ورفاق» يلحّون عليه بأن يرحل، ويثقلون وجدانه ببيروت «التي حضنت المقاومة»، وبالدم الذي «يُهرَق عبثاً». وبين جورج حبش المقاتل المؤمن العنيد: طيّب، نخرج من بيروت، قال، ولكن إلى مخيّماتنا، نقاتل فيها وحدنا حتى الطلقة الأخيرة والرمق الأخير. لكنه عاد وخرج من بيروت ومن لبنان. انتصر عليه أولئك «الأصدقاء والحلفاء والرفاق»، وبيروتهم التي حرام أن تُهدَم، والدم الذي قالوا إنه يُهرَق عبثاً. كان ذلك قبل مجزرة صبرا وشاتيلا.إلى دمشق، حيث أقام جورج حبش بعد النكبة الثانية، كنت أذهب إليه كلّ أسبوع تقريباً، بالطائرة عبر مطار لارنكا. كانت الطريق مقطوعة، وكانت بيروت آنذاك في قبضة إسرائيل وجماعتها، ترفرف عليها أعلام «الحرية والسيادة والاستقلال»، تماماً كما هي اليوم. وكانت، كما هي اليوم، عدوّة لدمشق.كنت أحمل إليه عذابات الفلسطينيين في لبنان الذي استعادت له «سيادته» دبّابات إسرائيل وجهود الطيّب الذكر فيليب حبيب. كنت ألمُّ له نتفه من أنين الفلسطينيين تحت التعذيب، وأغرزها في جراحه...ـ هل أخطأنا بأن خرجنا من بيروت؟ سألني غير مرّة.ـ نعم، قلت، ألف مرّة.كنت أعذّبه. كنت أنتقم لجورج حبش من الحكيم. كنت أنتقم له من أولئك «الأصدقاء والرفاق والحلفاء». وكان في سحيق عذابه يغمرني بعطف أبوي ومحبّة وتسامح.تكرّرت اللقاءات، وكان ذلك السؤال الكبير يلحّ على عقله ووجدانه، على روح الثورة المتأجّجة فيه، على روح الثورة المتجدّدة فيه. يجب إعادة إحياء حركة التحرّر العربية، ولكن كيف؟كيف؟ وكان الرجل الثائر الكبير جورج حبش يتطلّع حوله في هذا العالم. لقد غاب الكبار، ماتوا أو انكفأوا، تركوا الميدان وغاروا في أعماق الأرض، في وجدان الناس المقهورين. أحسّ بالغربة فانكفأ.غاب الثوّار المبدئيّون وحضر الشطّار «الواقعيّون». وحضر الباعة والدلّالون والسماسرة. من كمب دايفيد إلى أنابوليس، وما بين هذا وذاك، أسواق تفتح على مزادات وأسواق تقفل على مناقصات.وتبقى فلسطين أكبر من قطعة أرض. بل أكبر من وطن. هي الشاهد الحيّ على وحشية الحضارة الرأسمالية وهمجية استعمارها البشع.هي جرح كلّ المعذَّبين في الأرض، كلّ الشرفاء في الأرض، هويّتهم وقضيّتهم وثورتهم. الذين يريدون منها قطعة أرض لن يعطيهم أحد حبّة تراب منها، ولن تعطيهم هي من ذاتها حبّة تراب. والذين يؤمنون بها قضية تختصر كل معاني الكرامة والحرية والعدالة والإنسانية، لتعطيهم فلسطين مجدها وقدسها.الذين قالوا إنها تعبت من اجتراح القيامة لم يعرفوا فلسطين يوماً، ولن يعرفوا فلسطين أبداً. على تراب كلّ شهيد هناك يولَد بطل كمثل جورج حبش.وهذه غزّة التي كسرت أمس الحصار، لهي ألف فالوجة تكسر الحصار، تعد بألف ألف جمال عبدالناصر.